بومدين خطّط لاغتيال شعباني وعلي التونسي فشل في اختطافه
يؤكد المجاهد موسى عيساني أنّ هواري بومدين خطّط منذ بداية الاستقلال للتخلص من العقيد محمد شعباني، لأنّه رأى فيه عقبة كئودة أمام وصوله للسلطة لاحقا، وبرغم تحالف الأخير مع مجموعة “وجدة” التي استولت على الحكم بعد صراعها مع الحكومة المؤقتة، فإنّ رفيقه ومسؤول حراسته الأمنية يكشف أن شعباني ساند الزعيم أحمد بن بلّة كقائد سياسي وطني، ورفض مطلقا حكم العسكر، وعلى رأسهم هواري بومدين المتطلع حينها للسلطة.
ويعود مسؤول الأمن العسكري سابقا بالناحية الرابعة، إلى أبرز محطات الصراع بين بومدين وشعباني، ليشرح ما يعتبره فصول المؤامرة ضد أصغر عقيد في الثورة، حيث يسرد في حواره مع “الشروق” وقائع “حرب الرمال” التي خطط من خلالها وزير الدفاع الأسبق – وفق روايته- لتصفية شعباني وجنوده في جبهة القتال، كما يكشف عن سيناريو الاختطاف الفاشل الذي تولته مجموعة علي التونسي.
أنت من ولاية جيجل، كيف التحقت بالولاية السادسة، وما هي ظروف تعرفك على العقيد محمد شعباني؟
بصراحة أنا لا أحبذ الحديث عن نفسي، لأن ما قمت به مجرد واجب تجاه وطني، شاركت فيه مع الملايين من أبناء شعبنا، ولكن سأختصر إجابتي في بعض المراحل الأساسية من مساري الثوري، حيث كان عمي أول مجاهد من دوار بني قايد جنوب جيجل، باعتباره مناضلا في الحركة الوطنية، إذ جعل من دار جدي أول مركز للثورة بمشتة أولاد عيسى مع مطلع 1955م، وهناك تكفلت عمتي بتحضير الطعام للمجاهدين، الذين اتخذوا من مسكن العائلة مقرّا لهم، في تلك الفترة كان عمري 15 سنة، تكفلتُ بنقل المؤونة والاحتياجات الغذائية من متجر والدي بوسط مدينة جيجل إلى البيت العائلي، الذي أصبح مركزا ثوريا، وبذلك تعرفت على الرعيل الأول من مجاهدي المنطقة، على غرار عيسى لحريش ومسعود بن مقديش ومحمد بوبزاري صهر علي كافي، إلى درجة أصبح فيها هؤلاء الثوار يستعملونني دون علمي، من خلال تبادل الرسائل مع النشطاء المناضلين، عبر حشوها في مقود دراجة هوائية كنت أتنقل بها، وفي إحدى المرات منحوني دراجة نارية، وفي علبتها الخلفية المغطاة بأوراق الكرطوس متفجرات، سلمتها إلى صالح بن غولة رحمه الله ، على إثرها تم اكتشاف صلتي بالثورة، بسبب استغلال تلك المتفجرات في عملية فدائية، وقع منفذاها في القبض، وهما عبد القادر بومرزاق وعمار بن يونس الذي استشهد تحت التعذيب.
كيف تصرفت بعد التفطن لدورك من طرف السلطات الاستعمارية؟
أمرني والدي بالفرار نحو العاصمة في اليوم الموالي لقدوم قوات الاحتلال لتفتيش بيت العائلة وملاحقتي، إذ نجوت بأعجوبة، بعد تضليل من خلال الفرق بين لقب العائلة الشائع والإداري، وفي مدينة الجزائر استأجرت مع شباب البلدة مسكنا بحي بلكور، وهنا استأنفت نشاطي الثوري، عبر جمع الأدوية والأحذية وإرسالها للمجاهدين عن طريق السيد أرزقي طيلة سنتين كاملتين، بعدها عدت إلى جيجل للالتحاق بالثورة في الجبال، حيث قابلت مسؤول مجاهدي الدوار بريهوم يوسف، هذا الأخير اشترط علي تنفيذ عملية فدائية باسم الثورة، قبل أن يلتحق عمّي من تونس ويمنع صعودي للجبل، كون أبي هو عين الثورة بالمنطقة، حتى لا يُكتشف دوره السرّي، ما اضطرّني لأداء الخدمة الإجبارية في صفوف الجيش الفرنسي عام 1960 م، بهدف خدمة الثورة من داخل جبهة العدو، ولا زلت أتذكر مقولة عمي ” الراجل يبقى راجل أينما يكون”، وفي غضون 12 شهرا التحقت بتلاغمة ثم شرشال ثم فرنسا، لينتهي بي الأمر في مسعد بولاية الجلفة، وهناك تعرفت من أول يوم على أحد العسكريين المتعاملين مع الثورة، وهو محمد لحمر، مجاهد تمّ إيقافه ثم تجنيده إجباريّا، ليعرفني على صديق آخر يعمل ناقل بضائع، وبذلك بدأت التعامل مع مجاهدي المنطقة عن طريق هذه الشخصية.
هل يمكن أن نعرف على وجه التحديد أشكال خدمتك للثورة من داخل العدو؟
تكفلت بثلاث مهام رئيسية أهمها: تسريب مخططات وخرائط التمشيط العسكري للعدو نحو مجاهدي المنطقة، إذ كانت كل مبادرات الجيش الفرنسي تُمنى بالنكسة بعد وقوعه في كمائن الثوار، ثم تهريب الرصاص نحو المجاهدين، باعتباري مُشرفا على تدريب الجنود في الثكنة، إضافة إلى تحرير وثائق الهوية ورخص المرور لكل شخص يطلبه نظام الثورة، من بينهم المجاهد قاسمي من أولاد جلال، ذهب إلى باريس حيث قتل أحد الخونة ثم عاد إلى الولاية السادسة.
كيف تخليت عن هذه الأدوار وتوجهت لاحقا نحو مجاهدي الولاية السادسة مباشرة؟
طبعا حصل ذلك في 1961م، بعد اكتشاف أمري بسبب الاتصالات والمراسلات، ومع ذلك، حين غادرت الثكنة أخذت معي شاحنة مملوءة بالأسلحة والمعدات والألبسة العسكرية، وجلبت معي جنديين مجندين، هما عيسى باركي وهنّي عمار، وتوجهنا إلى قرية سلمى التي تبعد بنحو 7كم، لمقابلة مسؤول الاتصال والاستعلامات المجاهد العريف الأول سي مناد بالقسمة 51، وفي نفس تلك الليلة قصدنا بعد العشاء جبل بوكحيل، غير أننا لم نلحق بقيادة الثورة إلا في الليلة الثانية، لأن الفجر داهمنا، حيث وصلنا مركز المجاهدين، البعض منهم استقبلنا، وآخرون صافحونا، لكنّ فريقا ثالثا لم يقترب منّا، لأنهم كانوا متوجسين، وفي ظرف أسبوع واحد، التقيت قائد الولاية السادسة بالنيابة العريف الثاني وقتها شعباني محمد، في مكتبه تحت الأرض، حيث شكرني على العملية والأدوار السابقة، قائلا “هؤلاء هم أبناء الجزائر الحقيقيين”، غير أنه فاجأني حينما قال لي بعدها “الحياة الثورية في الصحراء صعبة للغاية، أريد أن أبعث بك إلى تونس للدراسة، في إطار تكوين إطارات الاستقلال”، فأجبته بأنني أفضل البقاء هنا مثل باقي المجاهدين في جبل بوكحيل، وفي بضع شهور ترقّيت مباشرة إلى القسمة ثم الناحية ثم المنطقة، وصولا إلى الولاية، حتى وصلنا وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962م، حيث وجدت نفسي مع العقيد محمد شعباني متكفلا بكل ترتيبات تنقلاته، حتى صرت رجل ثقة لديه في بعض المهمات الخاصة.
علاقتك وقربك من العقيد محمد شعباني سوف يستمران عند مطلع الاستقلال؟
تماما، إذ تم تعييني محافظ شرطة بولاية بسكرة لمدة 3 أشهر، ثم رجعت لقيادة الناحية مكلفا بقيادة الفريق الأمني للعقيد شعباني، وكذلك مسؤول الأمن العسكري للناحية الرابعة (التقسيم الجديد).
متى بدأت الخلافات بين العقيد شعباني ورئيس أركانه هواري بومدين، وكيف كان ينظر كل منهما للآخر؟
العقيد شعباني كان مستاء وغاضبا من تقوية جيش الحدود على حساب الداخل للاستيلاء على السلطة، كونه مدركا جيدا لمخطط الصراع على الحكم، وقد جاءنا في صائفة 1962 المرحوم قايد أحمد باسم قيادة الأركان في جبل نسنيسا بجنوب بوسعادة، في مهمة لفضح فساد وممارسات الحكومة المؤقتة، حيث أظهر صورة لمجموعة من وزرائها، يجلسون في مطعم بجنيف حول مائدة خمر، وفي نفس الأيام جاءنا سعد دحلب باسم الحكومة، لكشف تصرفات قيادة الأركان، مؤكدا اغتيالات وسط الضباط من الولاية التاريخية السادسة، وهذا ما جعل العقيد شعباني يبقى محايدا في هذا الصراع برفقة الطاهر زبيري والولاية الثانية، غير أنه بعث محمد روينة المدعو “قنتار” رفقة حسين الساسي لتمثيله في اجتماع المجلس الوطني للثورة بطرابلس، وقد طلبوا مقابلة محمد بوضياف في تونس، لكنه رفض استقبالهم، ليتوجهوا إلى أحمد بن بلة الذي أشركهم في الاجتماع، فانحازوا لمجموعته بتأثير أيضا من الطاهر الزبيري والعربي الميلي (بعد انقسام موقف الولاية الثانية).
كيف تطوّرت العلاقة والحساسيات بين شعباني وبومدين بعد ذلك؟
تنقلت مع العقيد شعباني إلى ولاية سطيف، في أول اجتماع لمجموعة بن بلة/ بومدين، حضره فرحات عباس وشعباني والطاهر زبيري بتاريخ 17 جويلية 1962م، وكان الشائع أن بومدين يخطط للاستيلاء على الحكم عبر العسكر، وبن بلة يحضّر للأمر نفسه عبر المكتب السياسي، لاستخلاف الهيئة التنفيذية المؤقتة، وقد أبدى العقيد شعباني تناغمه مع المجموعة، من أجل توسيع المكتب السياسي لكل الحساسيات والولايات، لأن همه الأول هو أن يحكم أحمد بن بلّة، فقد كان وفيا جدا له، ويرى فيه زعيما وطنيا كبيرا، بعدها استمرت المفاوضات مع قيادة الولاية الثالثة وكذلك الزعمين آيت أحمد وبوضياف، قبل أن يتوجه العقيد شعباني برفقة الزبيري وبومدين للقاء تلمسان الذي دام 8 أيام كاملة، بهدف تشكيل مكتب سياسي موسع والوصول إلى توافق مع قيادة الولاية التاريخية الرابعة.
إلى غاية هنا لم تظهر الخلافات علنية بين الرجلين؟
صحيح… ولكن مباشرة بعد لقاء تلمسان عدنا إلى بوسعادة، وخلال اجتماع علني وقف بومدين ليقول “إنه لا يمكن الدخول للعاصمة، لأن فرنسا سلحت القوة المحلية وبالتالي ستراق الدماء”، حينها رد عليه العقيد شعياني بأن “عاصمة الدولة هي الجزائر، والسلطة يجب أن تكون هناك، وغدا سوف أتوجه نحو العاصمة باسم جبهة التحرير الوطني”، وهو ما فهمه بومدين على أنه موقف مناوئ له، وفي صالح بن بلة ليضع بذلك العقيد بوخروبة رفيقه شعباني بين عينيه، ولكنه التزم الصمت في ذلك الموقف دون أي تعليق، محتفظا بالحادثة في ذاكرته، وكانت هذه أول نقطة خلاف علنية بينهما.
وفعلا، ذهب شعباني في اليوم الموالي للعاصمة، وحدثت مواجهات في البرواقية والمدية وغيرها مع مجاهدي الولاية الرابعة، قبل أن يدخلها بعد 4 أيام رفقة بومدين وأحمد بن شريف، ثم يزحف جيش الحدود نحو الجزائر.
كيف ساءت العلاقة أكثر بعد ذلك؟
هناك حدثان أساسيان في الأمر، وهما تمرّد الولاية الثالثة والعدوان المغربي، ذلك أنّ شعباني توسّط لدى الرئيس بن بلة لتعيين محمد أولحاج كقائد للأركان، للحفاظ على الجبهة الداخلية، ومواجهة التمرّد والاضطرابات، لأنّ العقيد شعباني كان يحترم كثيرا أولحاج، ويعلم أنه واقع تحت تأثير آيت أحمد، وبالتالي فكّر في استيعابه وعزله عنه، وهو المقترح الذي استحسنه بن بلة، ثمّ اندلعت حرب الرمال مع الجارة الغربية، لتتوتر بذلك العلاقة أكثر بين شعباني وبومدين، بعدما وقعت الخديعة ضد جنود الناحية العسكرية الرابعة.
أنت تتحدث عن خديعة، وهذا اتهام خطير، نريد أن نعرف ماذا حصل بالضبط؟
كنت وقتها مسير العتاد بالناحية الرابعة، فأمرني العقيد شعباني بتجهيز جيش للتوجه نحو الجهة الغربية، إثرها طلبت من وزارة الدفاع تسليح قواتنا، فأجابوا أنّ السلاح موجود بالمواقع الحربية، ولكن حينما وصل جنودنا إلى بشار، لم يزوّدوهم بالذخيرة المطلوبة، ودفعوا بهم مباشرة نحو جبهة القتال بإمكانات محدودة، ما أوقع الكثير منهم في الأسر، وقد كانت تلك الحادثة مؤامرة مدبرة من بومدين للتخلص من أنصار شعباني.
لماذا تحكمون على الحادثة بأنها مؤامرة، ربما كانت تقصيرا أو بسبب نقص السلاح ذاته؟
لا، أبدا، لقد كان العقيد شعباني حاضرا بنفسه في بشار، وتلقّى من الأنباء السرية ما يثبت أنها مؤامرة كاملة الأركان، فقد بعث له قبطان الاستعلامات الفرنسية من جنيف برسالة إلى الحدود المغربية، يقول له فيها “حذار هناك مؤامرة لقتلك من طرف بومدين” وقد قرأتها شخصيّا.
ألا يمكن أن تكون الرسالة نفسها مؤامرة للإيقاع بين قيادة الجيش؟
لا، الرسالة حقيقية، وقد أطلعتْ المخابرات الفرنسية العقيد شعباني على الخطر المحدق به، لأنّ استمرار الصراع يخدمها، أما الحسم لصالح طرف ما، فليس في مصلحتها، وقد سلم شعباني الرسالة للرئيس بن بلة شخصيّا.
هل كان بومدين يرى في شعباني منافسا له على السلطة؟
لا، بل هو موقن أن شعباني لا يبحث عن السلطة، ولكن في نفس الوقت يراه عقبة أمام وصوله للسلطة.
لماذا.. وكيف؟
لأنّ شعباني قائد جمهوري، يؤمن بالسلمية والديمقراطية، كما يرفض التسلّط العسكري، ولذلك حاصره بومدين وضيق عليه، حتى أنه كان يتماطل، بصفته وزيرا للدفاع، في تزويد الناحية الرابعة بالسلاح لتدريب الجيش، وينزعج من التواصل المباشر بين شعباني وبن بلة، وقد زار الأخير بسكرة، فأطلعته على وضعية السلاح بأمر من شعباني، فتدخل الرئيس، وحدّد لي موعدا مع بومدين لاستلام الذخيرة المطلوبة، إثرها توجهت إلى وزارة الدفاع رفقة محمد روينة، نائب العقيد شعباني، لاستلام العتاد الحربي، وعند الخروج من مكتب بومدين، قال لنا الأخير “راني على بالي بلّي رايحين إديروا حاجة، ريّحوا عاقلين، راني نقضي عليكم”.
ثمّ تطوّرت مضايقات هواري بومدين ضدّ شعباني، حيث بعث في بداية 1964م بمتعاونين عسكريين من جيش الحدود إلى الناحية الرابعة، على رأسهم الكومندو محمد بوتلة ونائبه محمد علاهم، شقيق عبد المجيد، وعدد من الضباط الآخرين، تحت غطاء تحديث الجيش وتكوين الجنود، لكن المبرّر الحقيقي بسط السيطرة والنفوذ على الناحية.
كيف تعاملتم معهم؟
بقينا نحرسهم جميعا، لأننا كنا ندرك أبعاد المخطط، ولذلك وضعنا مكاتبهم تحت التصنّت الصوتي، لنكتشف في غضون ذلك أن هناك مجموعة جاءت إلى بسكرة، تابعين للأمن العسكري، على رأسها علي التونسي، أمرها بومدين باختطاف العقيد شعباني والساسي حسين والمتحدث، إثرها باغتناهم بالاعتقال، ثمّ وضعناهم رهن الحبس، لكن محمد علاهم أفرج عنهم، كونه حليفا لبومدين، فوضعه العقيد شعباني مكانهم في الحبس العسكري، واكتشفنا في ذات الوقت، تقطيع أنابيب فرامل سيارة شعباني، وقد أبلغ قائد الناحية الرابعة الرئيس بن بلة بكل هذه الوقائع، ليطلب هذا الأخير من شعباني المجيء إلى العاصمة، حيث رافقته مرة أخرى كمسؤول أمني.

