-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بين طموحات الشعوب وأطماع النخب

حبيب راشدين
  • 2217
  • 10
بين طموحات الشعوب وأطماع النخب

إذا كانت طموحات الشعوب في الرفاهية تتحقق اليوم في ظل الدولة الديمقراطية الحديثة، كما تحت الدولة الشيوعية الشمولية، وتحققت من قبل على يد أنظمة مستبدة في العهود الملكية والإمبراطورية، فلا بد أن نبحث في طبيعة التوافقات التي حققتها النخب بشأن الأهداف قبل الانشغال بطبيعة الدولة ونظام الحكم الذي هو محض أداة لتنفيذ مضمون إجماع المجموعة الوطنية.

ربما يكون الربيع العربي الساقط آخر محاولة أمريكية غربية لنشر الديمقراطية الغربية، على الأقل في العالمين العربي والإسلامي، وقد تأكد عندهم أمران: ضعف النخب الليبرالية العلمانية الأهلية، المؤهلة نظريا لتقبل توطينها كما هي على طريقةالمنتج باليدوفشل ما يسمى بالإسلام السياسي في التعاطي مع مفرداتها، وأسلمتها بشكل مقبول، يصرف المسلمين عن النظر إلى مواطن التهديد فيه للمعتقد، والتقاليد والأعراف، وأسلوبهم في الحياة، الذي لم تغيره لا الحقبة الاستعمارية، ولا الهيمنة المطلقة للثقافة الغربية.

الذي حصل أن فشل مسارات الربيع العربي لم تقبر فقط الخيار الديمقراطي الغربي، بل هدمت جسور الرجعة أمام تشكيلات ونخب الإسلام السياسي، وفرص العودة إلى المرجعية الإسلامية، تماما كما حصل مع النخب الشيوعية والاشتراكية، بعد أن ورطت في مسارات إدارة المنظومة الليبرالية، وفقدت هويتها، وقطعت خطوط التواصل الفكري مع المرجعية الاشتراكية، كما تقطعت بها الأسباب مع قواعدها الاجتماعية.

لأجل ذلك نشاهد اليوم عودة المياه إلى مجاريها بين المنظومة الغربية وأرباب النظام الاستبدادي المتجذر في الدولة العميقة، ولن يجازف الغرب مجددا، على الأقل في المدى المنظور، بالرهان على قوى التغيير في العالم العربي والإسلامي، إلا كأدوات للضغط على النظم الاستبدادية، وليس كقوى بديلة يعول عليها.

انصراف الغرب عن مسار التغيير الديمقراطي بأدوات الثورات المخملية قد يمنح مجتمعاتنا ودولنا فسحة للتفكير في ابتكار مسارات تغيير أصيلة، مستنبطة من إرثنا الحضاري الثري، لا تفكر في طبيعة الدولة ومؤسسات الحكم، قبل أن تنجز إجماعا حول الموازنة الدقيقة بين تطلعات شعوبنا، ومقدراتنا الموضوعية، وموقعنا من التقسيم العالمي للعمل والوظائف والأدوار.

 أي مقام محمود نريده ونطمح إليه، مثلنا مثل بقية الشعوب، على مستوى الرفاهية المادية والمعنوية، وعلى مستوى العيش المشترك المكفول بالأمن والاستقرار، وعلى مستوى التقسيم العادل والمنصف للمغارم والمغانم؟ وما هي مواردنا ومقدراتنا المادية والبشرية التي يمكن تجنيدها؟ وأخيرا ما هو موقعنا من التقسيم العالمي للعمل، وحصتنا منه على المستوى السياسي الدبلوماسي والاقتصادي؟

 حتى يومنا هذا لم تنجز النخب الوطنية مثل هذا الجرد، لا على مستوى النظام والنخب المتداولة على السلطة فيه، ولا على مستوى قوى المعارضة، أو حتى على مستوى أكاديمي صرف، وهذا ما يفترض أن ينصرف إليه أي حوار وطني يبحث بأدوات التسوية عن مخارج آمنة لحالة الانسداد القاتل، وسوف نكتشف أنه متى توصلنا إلى إجماع وتوافق حول طموحاتنا المشتركة والمقدرات المادية والبشرية المتاحة لتحقيقها، سوف نهتدي بيسر إلى توافقات مرحلية متدرجة حول أدوات إدارة الشأن العام، الأقدر على تحقيقها، وبأقل التكاليف الممكنة، ما دامت الدولة هيوسيلةولم تكن أبدا غاية.

هذا تحديدا ما فعلته النخب في الدول الصاعدة، في الصين، والهند، والبرازيل، فكان التوافق أولا على حدود طموحات شعوبهم، وفق ما عندها من مقدرات مادية وبشرية، وعلى ضوء ما هو متاح لها في التقسيم العالمي للعمل، ثم جاء التوافق على الأداة حسب ظروف كل بلد ومجتمع، فاختار الهنود نظام حكم ديمقراطي لاـ مركزي، أملته ظروف الهند وتجاربها التعددية ما بعد الاستقلال، فيما اختارت النخب الصينية الحفاظ على النظام الشيوعي المركزي، مع تحرير متدرج للاقتصاد، واختبار أدواته في شبه محميات وكانطونات معفية من القوانين السائدة في البلد، وقد فرض عليهم هذا الخيار بحكم وزن الإرث الشيوعي، وظهور الحاجة إلى الحفاظ على الدولة المركزية القادرة على فرض الخيارات الاقتصادية الجديدة، وحماية تراكم الثروات، ومكاسب النخب الثرية الجديدة.

وكما نرى فإن طبيعة الدولة ونظام الحكم لم يكن لهما الدور الحاسم في تحقيق طموحات هذه الشعوب، بقدر ما كان الحسم من جهة التوافقات التي تحققت بين النخب حول الطموحات الممكنة، وفق ما بين أيديهم من مقدرات، وعلى ضوء المساحات الشاغرة في التقسيم الدولي للعمل، وحتى يومنا هذا لم يلتفت الصينيون كثيرا للمطالبة بحق الشراكة في إدارة الشأن العام، ولا حتى إلى هامش الحريات الضيق في نظام شيوعي استبدادي بالطبع، ما دامت النخبة قد نجحت في تحقيق جانب من طموحاتهم المادية والمعنوية، وتوسيع دائرة المنتفعين من الثروة المنتجة، ورأينا الصينيين يقبلون مجبرين أو مخيرين بدفع ثمن هذا الخيار دما وعرقا.

الذهاب إلى مثل هذه التوافقات العقلانية قد يكون أسهل في بلد مثل الجزائر، ليس أمامه تحديات صعبة ومعقدة كتلك التي واجهها الصينيون أو الهنود أو البرازيليون، لا من جهة الاختلال الفظيع بين التعداد السكاني وشح الموارد، ولا من جهة التعدد العرقي، والتنوع الإثني والثقافي والديني، ولا من جهة التهديدات الأمنية الخارجية، والصراعات الإقليمية من حولهم.

 فالبلد قد ورث مجتمعا متجانسا على أكثر من مستوى: اجتماعي، ثقافي، وديني، لم تؤثر فيه كثيرا سنوات الاحتلال الاستيطاني الطويلة، وهو فوق ذلك يمتلك ثروات كبيرة، أكثرها ما يزال مطمورا خارج الجرد، وله شعب فتي وطموح، يحتضن قوة إنتاج هائلة متى وجدت من يحسن تجنيدها، وقدر محترم من الإطارات المتعلمة ذات الكفاءة، التي نراها تسعد كثيرا من دول المهجر، والشركات المتعددة الجنسيات، حتى مع سخطنا على منظومتنا التربوية، وقد نجح البلد في البقاء بعيدا عن الصراعات الدولية والأحلاف، وظل بعيدا عن مسارات تقسيم النفوذ بين الكبار، وباستثناء بؤرة التوتر المزمنة مع الجار المغربي، والقلاقل المصطنعة أخيرا على حدودنا الجنوبية والشرقية، فإن البلد لم يكن يخضع لضغوط أمنية كبيرة تستنزف قواه وموارده.

والحال، فما الذي منع ويمنع نخبنا من البحث والتوافق على جملة من الطموحات الممكنة لشعب هذا البلد، مع توفر مثل هذه الظروف التي قد تحسدنا عليها كثير من النخب في محيطنا العربي كما في العالم؟

للأمانة لا يحضرني جواب مقنع، باستثناء ما ألمسه يقينا من تكالب النخب الغبي على السلطة منذ الاستقلال، دون الالتفات إلى الطموحات المشروعة التي نشأت عند عامة الشعب كاستحقاق ملازم للاستقلال واسترجاع السيادة، وهي طموحات معقولة غير مبالغ فيها، بالنظر إلى ما هو معلوم من مقدرات البلد، ولم يجادل المواطن نخبه طوال خمسة عقود في خياراتهم، سواء زمن الحزب الواحد، أو بعد قيام التعددية، ولن يخاصمهم مجددا لو اهتدوا إلى خيارات بديلة، شرط أن تكشف لهم عن معالم الطريق، وأن يكون حجم ما يطلب منهم من تضحيات مشفوعا بمغانم معلومة لهم، أو لأبنائهم في الحد الأدنى، ولن يجادلوا نخبهم كثيرا حيال طبيعة الدولة المؤهلة لتحقيق هذه الطموحات، ولا يعنيهم كثيرا أكان ذلك بأدوات الديمقراطية الغربية، أو بغيرها ما دامت تحقق الغاية، وتعد بقدر من التوزيع العادل للمغارم والمغانم.

 فهل بوسع نخبنا اليوم، في السلطة كما في المعارضة، أن يهجروا ولو لساعة من الزمن هذا الخطاب الأحمق حول تأمين المسارات الانتخابية، وتوزيع ريع السلطة، الذي يسخر لتحقيق طموحاتهم كنخب ليس إلا، ويجلسون حول طاولة يبحثون عليها في طبيعة الطموحات التي يرضونها لشعبهم، قد تفتح أمامهم سُبل التوافق على الأدوات، ومنها الدولة ونظام الحكم، الذي يبقى محض تفصيل حين نتوافق على طموحات المجموعة الوطنية.

 انصراف الغرب عن مسار التغيير الديمقراطي بأدوات الثورات المخملية قد يمنح مجتمعاتنا ودولنا فسحة للتفكير في ابتكار مسارات تغيير أصيلة، مستنبطة من إرثنا الحضاري الثري، لا تفكر في طبيعة الدولة قبل جرد طموحات المجموعة الوطنية“.

 

طبيعة الدولة ونظام الحكم لم يكن لهما الدور الحاسم في تحقيق طموحات الشعوب، بقدر ما كان الحسم من جهة التوافقات التي تحققت بين النخب حول طموحات شعوبهم، وفق ما بين أيديهم من مقدرات، وعلى ضوء المساحات الشاغرة في التقسيم الدولي للعمل“.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
10
  • سعيد ايطاليا

    يا اخي لقد اقبرنا مستقبلنا ،،عندما لم نفعل االاتحاد المغاربي ،، ان اروبا لا تريد لنا خيرا ،،اننا سوق لمنتوجاتهم ،،اننا نحلب حلبا ،، ان ارزاقنا تجد طريقها الى ابناكهم ،، ان الدول المغاربية لديها ما يوحد صفوفها ان لغتنا واحدة و ديننا واحد احد ،لمادا كل هدا الانشقاق ،،وهاته البروباكاندا ،، فل نصف كل المشاكل العالقة ،، كيف للجزاءر ان لا تنافس على الاقل دول الخليج في التقدم والعمران ،، بركى عليكم مشبعتوش من السرقه راه ناس عطات رواحها على شان هاد البلاد ، يا ايها الصهاينة العرب

  • صالح

    ..إن الامثلة التى ضربها الكاتب لاتنطبق وواقع البلدان العربية فالبلدان العربيةوخاصةالجزائرتتوفرعلى كل المؤهلات التي تمكن من انطلاق وثبة اقتصادية رائدة وإدارة جيدة ومجتمع مزدهرلكن القرار السياسي فيها مشلول بينما تلك الدول قرارها بيددهاوهنا يكمن الفرق
    إن مسألةضمان نزاهة الانتخابات هي المدخل الرئيسي للتوافقات وهي ضرورية للانتقال السلس للسلطة فالنظام الحالي جرب حظه لأكثرمن نصف قرن وقدنفدرصيده
    إن الجزائر بلدغني بثرواته الباطنيةوالطاهرية والبشريةولايحتاج إلا إلى جمعية تأسيسية لعهد جديددون تأخير.

  • بدون اسم

    على الشعوب أن لا تعول لا على "الحكومات" و لا "المعارضة"؟ بل عليهم أن يعولوا على أنفسهم و ما أودع الله فيهم من عقل و إرادة في العمل و استغلال لكل ثانية من وقتهم فيما ينفعهم و ينفع مجتمعاتهم؟ فالتعويل على الآخرين يعني الموت البطيء؟

  • مواطن

    إن قبلت رأيا يخالفك وأنا لست من الطامعين في اعتلاء كرسي أو منبر أقول لك ولغيرك ممن يبحثون عن طريق نجاة هذا الشعب التائه أن الآية الكريمة"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"لم تعن ثورة داعش أو انقلابا من أي نوع بل تعني العمل من أجل اكتساب الحريات والحقوق الأساسية للمواطن وليست النظريات الإعلامية لضمان الفوضى الممنهجة والتجهيل المركز لبقاء طبقة مسيطرة على كل مرافق الحياة.عندما تقضي الطبقة المستنيرة على عوامل الجهل والجمود الفكري يمكن طرح المشاكل السياسية وغيرها من مواضيع اللهو الحضاري.

  • صالح

    أود تنبيه الكاتب إلى ان الحرية غاية وليست وسيلة وأن حاجة الانسان إلى الحرية أكثر من حاجته إلى المأكل والملبس والمشرب والجنس وإلا فما الفرق بينه وبين الحيوان ولقد ذم الله تعالى هذا الصنف فقال :يتمتعون وياكلون كما تاكل الانعم والنار مثوى لهم سورة مجمد اىة 12وقال الشاعر:
    خلقت طليقا كطيف النسيم وحراكنور الضحى في سماه
    فما لك ترض بذل القيود وتحني لمن كبلوك الجباه
    زعم الكاتب أن الاسلام السياسي قد فشل فهل لديه برهان عليلك؟أومتن تركت الفرصة للاسلاميين؟في الجزائر أوفي مصر؟.

  • صالح

    الربيع العربي أزاح اللثام عن الطابور الخامس
    الغرب يعي جيدا أن الديمقراطية في البلدان العربية لاتخدم مصالحه وأن الشعب إذا كان حرا،اختار الاقدر والاجدر الذي بضحي بصلحته الشخصية لصالح شعبه وبذلك تتلاشى تدريجيا مصالح الغرب وتتقلص هيمنته وتزول هيبته ولذلك هو يجهض كل محالة تريد التخلص من قبضته فالغرب نجح في إجهاض الربيع العربي وليس العكس لكن الطابورالخامس الذي اعتمد عليه وضل مختفيا لعقوديعيث في الارض فسادا انكشف أمره وأصبح يعرفه كل من في الداروخارجها حتى وإن سمي استعارة أوتمويها بالدولة العميقة.

  • نبيل

    حال الجزائر مثل حال قارب الحراقة التائه في وسط بحر هائج، تتقاذفه الأمواج من كل جانب، لا قائد ولا بوصلة. فقط الخوف والترقب وبعض الأمل.

  • Baki

    الحل يكمن ياسيدى فى الأخلاق فمهما يكن التوافق لن نذهب بعيدا لسببين 1)لن يكون سهلا ان ننفرد كجزائر بالنجاح ولاكن كأمة
    2) علينا ان نعود الى التربية الحقيقية حتى نضمن صلاح المسؤلين اولا ونجاحهم ثانيا والسلام

  • قاسم

    وهل تسمي سيدي من يديرون دفة الحكم عندنا نخب ويستوعبون ما تطلب منهم انهم مجرد بالوعات للمال العام ضمائرهم دكاكين لمن يدفع اكثر ولا حول ولا قوة الا بالله .

  • بدون اسم

    "ربما يكون الربيع العربي الساقط آخر محاولة أمريكية غربية لنشر الديمقراطية الغربية، على الأقل في العالمين العربي والإسلامي"
    يا استاذ: أمريكا بأمر من اليهود لا يريدون تغيير النظم في المنطقة بأخرى أفضل لمصالحها، هم يريدون تدمير الدول و نشر الفوضى لقتل أكبر عدد ممكن و إلغاء السلطات الرسمية مثل ليبيا حتى يتسنى للكيان الصهيوني الانتشار بعد ذلك بدافع حماية نفسه من شمال ايران إلى الحبشة لانشاء دولة pax judaica التي تحكم العالم بعد أمريكا