تجارة قائمة على مبدأ التهديد!
تنعم بنات هذا الجيل بسهولة الحياة التي تتيحها لهن التكنولوجيات والثقافات الحديثة، وقد طالت آثارها جميع الجوانب دون استثناء حتى الولادة.
إذ وعلى خلاف الأمهات والجدات اللاتي تحلين بالشجاعة ساعة المخاض، واعتبرن تلك الآلام عربون الأمومة، تبحث أمهات اليوم عن أسهل السبل وأقصرها لإخراج مولودها إلى النور، وهو بات فرصة يقتنصها أطباء التوليد، بل ويسعون بكل ما مكنتهم الخبرة لإقناع الحوامل باللجوء إلى العمليات القيصرية، فتجدهم يستعملون أساليب بعيدة كل البعد عن نبل المهمة وإنسانية رسالة الطب.
عيادات خاصة.. تبيع الولادة من دون ألم
بالعادة.. تنظر النساء مذ أول إدراكها الحمل، لحظة وضعه، فلا يشغلها غير الآلام التي تنتظرها ساعة الولادة، لذلك تجد المجربات وأهل الاختصاص كل ينصحها بوصفة تخفف عليها ما تخشاه، وبالنسبة للنساء اللواتي يتابعن حالة حملهن لدى أطباء أخصائيين، فالأمر هنا لا يحتاج للكثير من النصح أو التوجيهات، فأخصائي التوليد سواء بالعيادة الخاصة، أو لدى العام بتعاقد مع الخاص، يتكفل بمهمة إقناع الحامل طيلة فترة حملها، بإمكانية التخلص من الألم العصيب من خلال اللجوء إلى العملية القيصرية، التي كانت في وقت ليس بالبعيد آخر الحلول التي أوجدها الطب لحالات قليلة إن لم نقل نادرة، متى فاق الجنين الحجم الطبيعي الذي يسمح بولادة عادية، أو في الحالات الطارئة التي تكون فيها صحة الأم في خطر يستدعي إنقاذ الجنين وتوليدها قبل الأوان،كتعرضها لحادث خطير،لكن هذه الحالات التي تعد نادرة الحدوث على العموم، منافية تماما لمبدأ الربح الذي يسير عليه سوق التوليد اليوم، فلا ربح كثير من ورائها، وهذا ما يبرر لجوء أخصائي التوليد للترويج للعمليات القيصرية التي تدر في جيوبهم أموالا طائلة، تتراوح بين السبعين ألف دينار إلى المائة والخمسين ألف دينار، حسب اسم وسمعة الأخصائي، ومستوى رقي خدمات العيادة الخاصة، وللأسف فإن الأصداء التي التقطناها من عدد من عيادات التوليد الخاصة بكل من العاصمة والبليدة، تبين أن ضحايا شق البطون يتزايد بانتشار موضة القيصرية تحت شعار “لا لآلم الولادة..”، وتعتبر الحوامل لأول مرة، والفئات العمرية الصغيرة أكثر الحالات التي أسقطتها إغراءات التجار من أهل مهنة الطب.
الترويض حتى التوليد
من غير المعقول في سبل العلاج والمتابعة الطبية، ما أصبح يفوح من عيادات التوليد الخاصة أو حتى من المستشفيات العامة التي يدير قسم التوليد بها أطباء لا مهنيون، إذ ومن بين الخرجات الأخيرة التي تحدثنا عنها كهينة، حامل في شهرها التاسع، أن الأخصائية التي تتكفل بمتابعة حملها، قد كونت لديها ملفا طبيا تحتفظ به في العيادة وترفض منحها إياه منذ الزيارة الأولى، والسبب سرعان ما تبين مع تطور الحمل، متى بدأت الأخصائية صاحبة عيادة التوليد، بمراودتها بملفها الطبي وترهيبها بكل سبل العذاب النفسي من أجل توليدها مقابل مبلغ سبعين ألف دينار “لمرات عدة أخبرتني بأن حالة الجنين حرجة، وأنه بإمكانها إصلاح الوضع من خلال توليدي بالعيادة، لأنها من تتابع ملفي الطبي..”، وقد شاع أسلوب الترهيب، والقائم على استغلال الملف الطبي للحامل التي تضع ثقتها بالأخصائيين، وقد بلغ الأمر حد التهديد، وهدى من العاصمة، إحدى ضحايا هذا الواقع، والتي فقدت حملها مرات متكررة، وها هي الآن حامل في شهرها التاسع “..كنت أتردد على أخصائية نسائية، وبعد اطلاعها على وضعي الصحي، أخبرتني بأنه من غير الممكن الحفاظ على الحمل، إلا بنسبة ضئيلة للغاية، تستدعي إجراء عملية قيصرية مع بداية الشهر السابع، لإنقاذ الجنين، والاحتفاظ به في الحافظة لما تبقى من الوقت، مع مرافقة طبية بالعيادة التي تعمل الأخصائية لصالحها بعيدا عن المستشفى العام..”. في الواقع الأمر لم يكن كذلك إذ أن هدى تتأهب لوضع مولودها في موعده المحدد.