تجاهل قانون الإعلام لتحرير السمعي بصري كشف سوء نية السلطة
اتفق خبراء إعلاميون وحقوقيون على ضرورة تقنين حصانة الصحفي وتحرير الإعلام من قبضة السلطة، ودعوا نواب المجلس الشعبي الوطني إلى تحمّل مسؤولياتهم كاملة، في تخريج قانون جديد يمهد الطريق لبروز إعلام قادر على لعب دوره الطلائعي.
- كل من تحدثت “الشروق” إليهم، أجمعوا على أن السلطة لم تتخلص بعد من عقدة احتكار قطاع الإعلام، بدليل الكيفية التي “خيطت” بها هيكلة وعمل سلطة ضبط الصحافة المكتوبة، حيث يسند مشروع القانون الجديد صلاحية تعيين رئيس هذه الهيئة لرئيس الجمهورية، كما تقرر أن يكون صوت رئيس سلطة الضبط، هو المرجّح، وهو ما دفع إلى التشكيك في مدى استقلالية القرارات التي ستصدر عن هذه الهيئة.
ولمواجهة تدخل السلطة التنفيذية في عمل الهيئة، يطالب كل من الأستاذ إبراهيم براهيمي، الخبير في قانون الإعلام، والقانوني خالد برغل، وعزوق الخير، رئيس قسم التشريعات في معهد الإعلام والاتصال، بإعادة النظر في كيفية تشكيل هذه الهيئة وطريقة عملها، واقترحا أن يتم انتخاب أعضائها من طرف العاملين في القطاع بعيدا عن التعيين، وأن تتخذ فيها القرارات وفق منطق الأغلبية.
إلغاء المادة التي تتحدث عن حبس الصحفي لا يعني أن الصحفي أصبح بمنآى عن التحرش والتضييق في أداء مهمته الإعلامية، كما أن استبدال الحبس بالغرامة لا زال يشكل تهديدا حقيقيا، لأن حصر الغرامة في خمسين مليون فما فوق، من شأنه أن يدفع الصحفي إلى ممارسة الرقابة الذاتية.
وإذا كان إبراهيم براهيمي قد اعتبر تحديد الغرامة المالية بـ 50 مليونا فما فوق، قيمة كبيرة بالنظر لما يتقاضاه الصحفي، فإن القانوني خالد برغل يطالب بضرورة أن تتحمل المؤسسة التي يعمل بها الصحفي، المسؤولية المدنية والإدارية في حال متابعة الصحفي قضائيا، ما دام أن الطرفين يربطهما عقدا إداريا، على حد تعبير المتحدث، الذي يؤكد على أن الصحفي لا يزال معرضا للمتابعة بتهمة القذف وفق المادتين 286 و298 من قانون العقوبات، الذي ترك مفهوم القذف مطاطا ولم يحدده بدقة.
ومن بين النقاط التي لا تزال تثير استغراب القانونيين، تمسك المشرع بمعاقبة الصحفي حتى وإن كان يتوفر على الدليل المادي الذي يبرر ما يكتبه، وهو ما يكشف غياب قانون يحمي الصحفي عند ممارسة مهنته، بحسب ابراهيمي، الذي يطالب بضرورة تبرئة الإعلامي في حال توفره على أدلة تثبت صحة ما كتبه، مثلما هو معمول به في البلدان الديمقراطية، لكن بشرط ألا تطال هذه الكتابات الحياة الشخصية للأفراد.
دفاع الأستاذ برغل عن عديد الصحفيين أمام العدالة، مكّنه من الوقوف على الكثير من النقاط السلبية التي تواجه الصحفي في أدائه لمهامه، وهو ما كان وراء مطالبته بتحديد الاختصاص الإقليمي والنوعي للمحاكم، تجنبا لإجبار الصحفي على التنقل لمسافات بعيدة لحضور المحاكمة، وهو الإجراء الذي كثيرا ما تسبب في صدور أحكام غيابية، كما يطالب برغل بتسبيق محاكمة الصحفي “أخلاقيا” على مستوى مجلس أخلاقيات المهنة، الذي “يجب أن يقرر إما بالاكتفاء بعقابه مهنيا جبرا للضرر، أو بإحالته على المحكمة لمتابعته جزائيا”.
“غياب النية” لدى السلطة في التوجّه نحو تحرير قطاع السمعي البصري، يبدو واضحا من خلال غياب أية إشارة لذلك في المشروع القانوني الذي يوجد على مستوى الغرفة السفلى، بحسب ابراهيمي، وهو ما يتنافى مع الالتزامات التي صدرت على لسان الوزير الأول، أحمد أويحيى في أكثر من مناسبة.
ابراهيمي قال إنه كان يأمل في أن يتضمن قانون الإعلام الجديد، توجها نحو فتح ما يعرف بقطاع الإعلام الثقيل، غير أنه ومع ذلك أبقى على الأمل في أن تستدرك السلطة ما فاتها في قانون السمعي البصري، الذي ينتظر أن يرى النور قريبا.