-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تجميل الأمراض النفسية.. حين تتحول المعاناة إلى هوية رقمية

الشروق أونلاين
  • 96
  • 0
تجميل الأمراض النفسية.. حين تتحول المعاناة إلى هوية رقمية

لم يعد الاكتئاب أو القلق أو اضطراب نقص الانتباه، ولا حتى السرطان، أو إدمان المخدرات، مجرد حالات طبية تناقش داخل المصحات المغلقة والعيادات، بل تحولت إلى ترند مثير على منصات التواصل الاجتماعي.

حيث تحمل عشرات الآلاف من الحسابات عناوين مثل: “متعاف من الاكتئاب”، “ناج من الإدمان”، “أعيش مع اضطراب الشخصية”… فيما تحصد مقاطع الفيديو التي تروي قصص المعاناة ملايين المشاهدات، حتى بدا وكأن الاضطراب النفسي أو المرض الخبيث، أصبح في بعض الفضاءات الرقمية وساما اجتماعيا أو بطاقة تعريف شخصية.

هل نجحت حملات التوعية في كسر الوصمة الاجتماعية؟

أصبح المرض يجمل ويسوّق ويقدم باعتباره جزءا من الهوية التي تمنح صاحبها التعاطف والانتشار. ففي وقت مضى، كان المصابون بالاضطرابات النفسية يخفون معاناتهم، خوفا من نظرة المجتمع، وكذلك المصابون بالسرطان، حتى إنهم كانوا ينعتونه بـ “هذاك المرض”، وكذلك المبتلون بإدمان المخدرات… أما اليوم، فقد أصبح الإعلان عن التشخيص أمرا مألوفا، بل إن بعض مستخدمي الشبكات التواصل الاجتماعي يضعونه في مقدمة التعريف بأنفسهم. استفحال الظاهرة جعل مختصين في علم النفس يتحركون لتحليلها وتصنيفها، منهم من يرى أنها تحمل جانبا إيجابيا، يتمثل في تشجيع الناس على طلب العلاج، بينما يتجه آخرون إلى أن خطر التباهي بالمرض يكمن في تحوله إلى هوية دائمة، يختزل الإنسان نفسه فيها، أو عندما يقدم باعتباره مصدرا للتميز أو وسيلة لاكتساب المتابعين.

عندما تصنع الشهرة من الألم

تنتشر القصص الشخصية عن الاكتئاب والإدمان والقلق بسرعة كبيرة، نظرا إلى أن منصات التواصل تعتمد على إبراز المحتوى الذي يثير المشاعر، ولذلك يتحول الألم إلى محتوى يحقق أرباحا من الإعلانات والرعاية التجارية، حين تصبح التجربة المرضية مادة قابلة للتسويق، ويغدو الحديث المتكرر عنها عبر فيديوهات جزءا أساسيا لبناء شهرة صانع المحتوى.

 هل لمنتجي الأدوية يد في تسويق الأمراض عبر المواقع؟

حذرت مقالة علمية شهيرة في مجلة BMJ من ظاهرة تعرف باسم “تسويق الأمراض” (DiseaseMongering)، وهي توسيع حدود بعض الحالات الصحية أو تضخيم انتشارها بما يخلق أسواقا أكبر للأدوية، فيما يذهب أخصائيون وخبراء في علم النفس والمجتمع إلى أن بعض الحملات لا تكتفي بالتوعية، بل تدفع الناس إلى الاعتقاد بأن مشاعر الحياة الطبيعية تحتاج إلى علاج دوائي، وأن بعض الأعراض الطفيفة هي إنذار جسدي بوجود أورام خبيثة وأمراض مستعصية… فقد أظهرت أبحاث وتحقيقات ميدانية مؤخرا، أن بعض الشركات، وحتى صناع الأدوية التقليدية، استخدمت حملات دعائية مباشرة أو غير مباشرة بتوظيف مشاهير وصناع محتوى مأجورين، للتأثير في نظرة المجتمع إلى الأمراض، الهدف منها تقليل الوصمة، ودفع الناس إلى الإقبال على العلاج الدوائي.

 تأثيرات خطيرة مباشرة

تنوه الأخصائية النفسية، نادية جوادي، إلى أنه لا يجب أبدا الاستهانة بظاهرة تجميل المرض عبر المواقع: “أصبح كثير من المراهقين يعتقدون أنهم يعانون اضطرابات نفسية، بعد مشاهدة مقاطع قصيرة على الإنترنت، أو إجراء اختبارات غير علمية. فالحزن ليس اكتئابا، والتوتر قبل الامتحان ليس اضطراب قلق، والنسيان لا يعني بالضرورة اضطراب نقص الانتباه…”. تضيف الأستاذة: “التشخيص النفسي عملية معقدة تعتمد على مقابلات سريرية ومعايير علمية، وليس على مقطع فيديو مدته دقيقة، ينشره صانع محتوى عانى فعلا أو يدعي معاناته من مرض نفسي، لكسب التعاطف والمؤازرة. وهذا، ما ينطبق على بعض الأمراض الأخرى، كالسرطان والإعاقات…”.

أما أخطر ما في الظاهرة، أنها قد تدفع البعض إلى البحث عن تشخيص يمنحهم تفسيرا لهويتهم أو شعورا بالانتماء إلى مجموعة معينة، بينما قد تؤدي في المقابل إلى تهميش معاناة المرضى الذين يحتاجون فعلا إلى العلاج والرعاية. فالاضطرابات النفسية ليست أسلوب حياة، ولا موضة رقمية، ولا وسيلة لجذب الإعجاب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!