تحدي مليار شجرة
لا يوجد قاهرٌ للنيران سوى البرد والسلام، ولا يوجد برد وسلام مثل الشجرة. والذين ذرفوا الدموع وهم يشاهدون المحرقة الطبيعية التي عاشتها الجزائر هذا الصيف، من وهران إلى القالة، عليهم أن يكفكفوا دموعهم، ويعودوا إلى أمنيتهم الخضراء، ولكن هذه المرة بأكثر عزيمة، وبطريقة علمية، ليقولوا للّذين يريدون تصحير الغابات لمآرب عقارية وفلاحية، وللذين هالهم العدد الكبير للسياح الذين زاروا الجزائر في فصل الربيع، وتغنّوا بمتيجة وجيجل وبجاية، إن الأخضر دائما هو الهدف وهو المنتصر.
في أول حوار أجرته “الشروق اليومي” مع فؤاد، صاحب صيحة “خضراء بإذن الله”، قال إن أمنيته أن تطلق الجزائر حملة عالمية وعلمية، بغراسة مليار شجرة، تمنحها الصيانة والسقي، حتى تشتد أغصانها، وتحوِّلها إلى قطعة من الجنة.
والواقع، أن بلادا كثيرة في العالم، قدَّمت نماذج ناجحة ومبهرة، في تحويل الصحراء إلى أخضر، ومنها الصين الشعبية التي غرست أكثر من 66 مليار شجرة منذ خمسين سنة، قضت بها على الصحراء التي كانت تتحيّن لها مكانا في بلاد الصين، التي صار لها سورُ الصين العظيم، والجدار الأخضر العظيم.
كما نجحت إثيوبيا في قهر التصحر بغراسة أكثر من 700 مليون شجرة في يوم واحد، وأشادت منظماتٌ بيئية عالمية بنجاح التجربة الإثيوبية.
أما وقد أحرقت النيران بشكل مرعب ورهيب آلاف الهكتارات من رئة الجزائر، فإن التفكير في الرد الأخضر الحاسم، قد حان وقتُه حتى تُدخِل الجزائر الشجرة نهائيا في ثقافة الجزائريين الذين عاشوا ربيعا في الواقع وعلى المواقع، قدَّموا فيه بلادهم كجنة خضراء تسرّ الناظرين.
الاستسلامُ للنار هو الفناء، والذين يتحينون خروج الأراضي المحروقة من مديريات الغابات لأجل الاستيلاء عليها بالإسمنت أو الأشجار المثمرة، عليهم أن ييأسوا، بمزيد من الغراسة من “المليونية” إلى “المليارية”، حتى تصبح لكل شجرة محروقة، عشرٌ في الغراسة، وتعود الأرض كما كانت.
يحفظ كل جزائري اسم الغابات ومكان تواجدها في ولايته، ولكل واحد منا ذكرياته في هذه الغابة أو تلك، ولكن المشكلة، أننا لم نُنجز غابات بعد الاستقلال، ولنا أيضا نماذج لغابات كثيفة وأدغال عرفت النور في الألفية الجديدة في بلاد كثيرة من البرازيل إلى جنوب إفريقيا.
لقد نجحت الجزائر في بعض المشاريع الخضراء من حبوب وخُضر وفواكه في قلب الصحراء، ولها مشاريع للأبقار والحليب والشمندر وعبَّاد الشمس. ولا نظن أنَّ ما حققته الصين وإثيوبيا من العدم يستعصي على الجزائريين، الذين عكّرت النيران عطلتهم الصيفية، بل وحياتهم بالكامل، وهم قادرون على تحدي مليار شجرة، يشارك فيها كل أطياف المجتمع، في أيام عيد خضراء، من صغيرهم الذي سيحتاج إلى أوكسجينها، إلى عجوزهم الذي نصحه الرسول- صلى الله عليه وسلم- بأن يغرس الفسيلة التي بين يديه، حتى ولو كان على تخوم يوم القيامة. لأن القاعدة تقول إن جنة الخلود خضراء، والنار هي عذاب الدنيا والآخرة.