“تخطي راسي” ليس الحلّ.. والاستفتاء لتنفيذ الإعدام
طالب ممثلو المجتمع المدني من أئمة ومحامين ومختصين وجمعيات طفولية في ندوة “الشروق” برفع التجميد عن تطبيق عقوبة الإعدام، معتبرين إياها السبيل الوحيد لوقف مسلسل اختطاف وقتل الأطفال، منتقدين الحجج التي تروج لعجز الجزائر عن تطبيق القصاص لارتباطها بمواثيق دولية، مؤكدين أن “أرواح أطفالنا أهم من الاتفاقيات الدولية”، وأكد ضيوف الشروق أن “نهال” ما هي إلا رقم من تسونامي قتل الأطفال في الجزائر، ما يتطلب من الحكومة الاستجابة السريعة للمطالب الشعبية والحقوقية المطالبة بتطبيق الإعدام.
الأستاذة مليكة خنوش أخصائية في علم الاجتماع
نحن بحاجة إلى سيف الحجاج لوقف قتل البراءة
اعتبرت الأستاذة مليكة خنوش أخصائية في علم الاجتماع استغلال البراءة لتصفية الحسابات أو الانتقام من مسؤولية المجتمع، موضحة أن القتل أصبح عند الصغير أو الكبير شيء عادي بسبب غياب القصاص وسيف الحجاج، وأرجعت أسباب انتشار الإجرام إلى أفلام العنف المنتشرة عبر القنوات وحتى الألعاب الموجهة للأطفال التي تحثهم على العنف، حيث أصبح الطفل يعذب شقيقه وجاره أو زميله في المدرسة وأضافت أن الإرهاب النفسي الممارس على الطفل سببه الأسرة والمدرسة معا ما جعل التفكك الأسري يستفحل ويحصد نتيجة اختطاف الأطفال، وأشارت إلى أن عدم التواصل بين الأفراد والعائلات أدت إلى العلاقات السيئة فيما بينهم، حيث لا يتكافلون ولا يتناصحون وبالتالي غابت القيم داخل الأسرة الواحدة بسبب انعدام الوازع الديني والأخلاقي عندهم وأصبح أبناؤنا بدون هوية بعد ارتباطهم الوثيق بشبكات التواصل الاجتماعي، والتأثر بها جعل تفكيره وسلوكه مختلف عن عائلته وقد يصبح من عبدة الشياطين أو من متعاطي المخدرات دون علم والديه.
وتعتقد الأستاذة خنوش أن مختطفي الأطفال شباب منحرف ومضطرب نفسي نتيجة المخدرات منوهة إلى تسجيل 80 بالمائة من تلاميذ المتوسط والثانوي في العاصمة يتعاطون المخدرات، وعليه وجهت نداء إلى رجال الدين والشرطة بضرورة قيامهم بالعمل الجواري للنهي عن المنكر ميدانيا داخل المجتمع، وعلى الأنظمة والمؤسسات التربوية والاجتماعية تضافر الجهود للقضاء على ظاهرة الاختطاف.
وأشارت الأستاذة إلى قوانين حماية الطفولة التي اعتبرتها حبرا على الورق واصفة إياها بقوانين بدون تنفيذ طالبا رفع التجميد عن تطبيق عقوبة الإعدام للقضاء على الآفات الاجتماعية، التي من أسباب انتشارها فقدان الشعب الثقة في العدالة، ما يجعله ينتقم ويثأر لنفسه، وتفقد بذلك الدولة احترامها.
العقيد محمد ترغيني مسؤول الاتصال بالدرك الوطني
هذه حالات اختطاف منفردة ولا يمكننا وصفها بالظاهرة
رفض العقيد محمد ترغيني، رئيس خلية الاتصال بقيادة الدرك الوطني، إطلاق صفة الظاهرة على اختطاف الأطفال، مؤكدا أن الأمر متعلق بحالات يجب دراستها على حدا، وهناك حالات أخرى تصنف في خانة البحث عن العائلات، فبعض الأطفال اختفوا لفترة وعادوا إلى عائلاتهم، ليواصل المتحدث ومع ذلك مصالح الدرك الوطني تولي أهمية لجميع حالات الاختطاف، ففي قضية الطفلة “نهال” سخرت مصالحها كل الوسائل المادية والبشرية، وقد تابع قائد الدرك الوطني تطوراتها شخصيا، منتهزا الفرصة لتبليغ عائلة الضحية تعازي قيادة الدرك الوطني.
وهاجم المتحدث الجمعيات التي تصنف الجزائر في المرتبة الأولى عربيا من حيث ظاهرة اختطاف الأطفال، موضحا عدم صحة هذا الكلام، وجميع الأرقام والبراهين التي تملكها قيادة الدرك تدحض هذه الأقاويل الرامية لإحداث البلبلة، فالحالات منفردة ولا وجود لجماعة أشرار مختصة في اختطاف الأطفال أو سرقة أعضائهم أو طلب فدية من عائلاتهم، كما دعا أولياء الأطفال لتخطي الخوف وعدم منع أطفالهم من الخروج للشارع أو مزاولة دراستهم.
الأمام والأستاذ جمال آيت عيسى:
المجازر في حق الطفولة لن تتوقف إلا بالقصاص
اعتبر الإمام والأستاذ جمال آيت عيسى، أن الشريعة الإسلامية لها مقاصد، فهي جاءت للحفاظ على النفس والعرض والمال، والإسلام وضع حدودا للمحافظة على المقاصد، وهي حدود ردعية، معتبرا أن الاختطاف يدخل في الحرابة ( حدّ وضعه الله عز وجل)، ويقول عن عقوبته ” إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ”.
ومن أسباب انتشار الجرائم، يقول الأمام ” تغييب المسجد عن اداء رسالته، حيث لا توجد رسالة مسجدية قائمة، فغاب الوازع الديني، فالمسجد ليس محرابا وصلاة فقط” ، مؤكدا أن بعض الأئمة صارا خطابهم المسجدي منفرا، ومثال ذلك ” في عز قصف غزة من الاحتلال الإسرائيلي، اختار امام أحد المساجد بالجزائر الحديث عن الشعوذة”، كما تجرد الأباء والأمهات من مسؤولية تربية الأبناء.
والأشكال – حسبه- في سوء فهمنا للإسلام، ونقلنا هذا سوء الفهم لغيرنا، كما دعا الأئمة للخروج من المسجد للنصح والأرشاد، لأن ” قتلة الأطفال ومدمنو المخدرات والخمور لا يأتون للمساجد، علينا أن نحتك بهم خارجا”، معتبرا أن بعض القوانين ساهمت في غياب الوازع الديني من النفوس، ومنها عدم استعمال مكبر الصوت في المساجد في الأذان أو عند قراء التسابيح وخطب الجمعة، فبقي الخطاب الديني داخل أسوار المسجد.
وأكد المتحدث، أن تطبيق القصاص في جرائم القتل، أفضل الحلول للقضاء على هذه الجريمة، يقول ” مهما وصل البشر في درجات العلم، ومهما وضعوا من نصوص قانونية، فالأنسان يخطيء ويصيب، أما النص القراني فلا يخطيء، والله خالقنا أعتبر القصاص رحمة للبشر، لكن ما دمنا نعتبر القصاص عقوبة فلن نرتاح أبدا، ولكن ” اقامة القصاص لن تكون هكذا هباءا بل يجب توفر شروط معينة”.
واقترح ضيف ” الشروق” ولمحاربة ظاهرة الأجرام، بدء العمل التوعوي من الأسر، وجود حوار بين الأباء والأمهات والأبناء، والسؤال عن أصدقاء الأبناء ” فالصّاحب سَاحِب”، مراجعة الخطاب المسجدي، وطريقة النصح التي يجب أن تكون بالكلمة الطيبة. كما حذر ايت عيسى من ترك الأطفال يشاهدون كل ما هو عنيف على الشاشة، من أفلام ورسوم متحركة وألعاب.
رئيس الشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الطفل “ندى”:
يجب وضع خريطة طريق عاجلة لإيقاف اختطاف الأطفال
دعا عبد الرحمان عرعار، رئيس الشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الطفل “ندى”، جميع أطياف المجتمع للتخندق في خندق واحد ضد جرائم الاختطاف والتي انتشرت في السنوات الأخيرة بشكل كبير وتكون متبوعة بالقتل، وقد تبين بأنها جرائم لا علاقة لها بالسياسة ولذا بات من الضروري وضع خريطة طريق عاجلة تحت رعاية المؤسسات الرسمية للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة.
وطالب رئيس شبكة “ندى” الحكومة للتحرك بسرعة ورفع التجميد عن عقوبة الإعدام حتى يرتدع مرتكبو الجرائم ضد الطفولة، مع ضرورة توسيع مخطط التبليغ عن جرائم الخطف للجمعيات والمؤسسات المهتمة بالطفولة وعدم حصرها في الجهات الأمنية، الشرطة، الدرك والقضاء ورفع مستوى الحيطة واليقظة.
وطالب عرعار بتكفل حقيقي للأطفال الموجودين في وضعيات صعبة والمتشردين في الشوارع وبدون عائلات، فهم مشروع مجرمين وقد أثبتت الإحصائيات عن مثول 11 ألف طفل كمتهم سنويا أمام العدالة، فبدخولهم المؤسسات العقابية سيتحولون لمجرمين يرتكبون جرائم الخطف والقتل والسرقة بشكل طبيعي فمن الواجب التدخل سريعا فهم منبع الجريمة المستقبلية.
وشدد المتحدث على ضرورة العمل التحسيسي والتحرك من قبل المؤمنين بالرسالة والخروج من الأساليب التقليدية والاكتفاء بفتح تحقيقات قضائية ثم طيها وفي كل مرة يتم تسجيل ضحية جديدة، مشيرا إلى اعتكاف الشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الأطفال هذه الأيام للتحضير لملف وتقارير حول ظاهرة اختطاف الأطفال في الجزائر وسيتم توجيهه لرئيس الجمهورية، وفي ذات الوقت بادرت الشبكة للعمل مباشرة مع الأطفال في فضاءات خاصة عبر مختلف أنحاء الوطن كي لا يتجهوا للجريمة وكذا تنظيم شراكة مع وزارة التضامن للقيام بنشاطات في مساحات التسلية في المناطق الداخلية والبعيدة بغية استيعاب أكبر عدد كمن الأطفال حتى لا يكونوا فريسة سهلة للمختطفين.
المختصة النفسانية سميرة فكراش:
على الجزائريين التخلي عن عقلية “تخطي راسي”
اعتبرت المختصة النفسانية “سميرة فكراش” ما يحدث في المجتمع من آفات اجتماعية على غرار ظاهرة الاختطاف والتنكيل بجثث البراءة، هو نتاج للتربية والتنشئة الخاطئة التي يتلقاها الطفل منذ نعومة أظافره، وهو الجانب الذي يحتاج إلى إعادة النظر فيه ودراسته مع وضع إستراتيجية كاملة تتعلق بمراجعة سلم القيم الاجتماعية، الذي يعرف خللا، حيث غيبت القيم الأخلاقية في ظل الاستهتار بالقيم والمبادئ، بعد أن تخلى المجتمع عن فكرة التمسك بالعلاقات الاجتماعية وجعلها مجرد أمور إجبارية يتعامل معها الأفراد بطريقة سطحية، بما أن كل واحد منهم يعيش في عالمه الافتراضي الخاص.
وانتقدت فكراش عقلية “تخطي راسي” التي أصبح يسير عليها الجزائريون، قائلة أنها يجب أن تزول لأن الأمر يعني كل المجتمع، خاصة عندما يمس فلذات أكبادنا، مشددة على ضرورة العمل على تربية وتكوين الطفل بطريقة صحيحة، يساهم فيها كل الفاعلين في المجتمع على رأسهم المدرسة، هذه الأخيرة التي تعتبر الرقم واحد في عملية تربية الطفل، حيث تلعب التربية السلوكية دورا كبيرا في تنشئة الأجيال، مشيرة إلى ضرورة أن يحسن المشرفون على مسابقات التربية اختيار الأشخاص المؤهلين لأن يكونوا مربيي جيل كامل، لأن أي خلل في تنشئة الطفل سوف تجنى ثمارها في سن المراهقة والشباب.
وحللت المتحدثة ذاتها شخصية هؤلاء الخاطفين بقولها أنهم يبحثون عن الشهرة ولفت الانتباه، لذا يتفننون في كيفية الاختطاف وكذا التنكيل بالجثث، كما أن غالبيتهم لا تتعدى أعمارهم الأربعين سنة، وهو دليل على حالة من عدم التلاؤم والتكيف، قائلة أن هذه القضايا لا يجب أن تكون آنية تنسى وتطوى بمجرد دفن الضحية بل تحتاج إلى الدراسة والمواكبة، كما دعت الجزائريين إلى الابتعاد عن السطحية، التي قالت إنها أصبحت تطبع تفكيرهم ويومياتهم مستدلة بقضية “إكرام وعبد القادر” التي شغلت الرأي العام أكثر من قضية الصغيرة “نهال”.
المحامي ابراهيم بهلولي:
آن الأوان لرفع التجميد عن عقوبة الإعدام
قال المحامي إبراهيم بهلولي إنه قد آن الأوان للبحث عن آلية لرفع التجميد عن عقوبة الإعدام، التي تم تجميدها عام 1993 بقرار سياسي، متسائلا كيف للجزائر أن تركع أمام هؤلاء القتلة والمجرمين، وكيف نترك أرواح البراءة تزهق وينكل بها بحجة الارتباط بالمواثيق الدولية والاتفاقيات، التي سنتها المنظمات الحقوقية، مشيرا إلى بعض الدول التي ترتبط بالاتفاقيات الدولية، إلا أنها تنفذ عقوبة الإعدام مع اختلاف طريقة التنفيذ.
وطالب بهلولي في ندوة “الشروق” بضرورة أخذ قرار استثنائي، حتى ولو كان مؤقتا يتعلق باتخاذ تدابير استعجاليه لردع هؤلاء المجرمين، قائلا أنه في حال لم يتخذ رئيس الجمهورية قرارا برفع عقوبة التجميد يجب اللجوء إلى إجراءات أخرى كالقيام باستفتاء شعبي، خاصة في ظل المطالبة الشعبية برفع التجميد عن عقوبة الإعدام.
وأكد المحامي أن بعض النصوص القانونية بحاجة إلى مراجعة شاملة، إلا أن إعادة صياغتها يجب أن يتم على أسس تتماشى وعقيدتنا وأعرافنا وأن لا نخضع لاملاءات من منظمات وهيئات حقوقية، مشددا على وجوب مراجعة المنظومة العقابية بالدرجة الأولى، على رأسها التخلي عن سياسة العفو عن المساجين، التي تساهم بطريقة غير مباشرة في تفشي الإجرام في المجتمع، مضيفا أن القاتل في حال لم يعدم سيشكل هو الآخر عبئا على الدولة التي ستتكفل بمصاريف مأكله ومشربه حتى مماته.
وأوضح المتحدث ذاته أنه وبعد تفاقم ظاهرة اختطاف الأطفال، التي لم تعد تقتصر على أمر الاختطاف فقط بل تعدته إلى القتل والتنكيل بأبشع الطرق في حق البراءة، قام المشرع الجزائري ببعض التعديلات في قانون العقوبات عام 2014 تتضمن قوانين خاصة ورادعة في حق المختطفين، وصلت إلى حد الإعدام، إلا أنه يبقى من دون تنفيذ أمام وجود نص وقرار سياسي صادر عام 1993 بتجميد عقوبة الإعدام لكل حكم جنائي، مجددا مطالبته بصنع الاستثناء في حالات اختطاف الأطفال، خاصة وأن هذه الفئة الهشة تحتاج حماية خاصة تنص عليها جميع النصوص التشريعية، إلا أنها تحتاج مراجعة حتى يتمتع هذا المخلوق الضعيف بحياة كريمة بعيدا عن العنف والجرائم التي أصبحت تفتك بالبراءة مؤخرا.



