-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تخيّروا لأصواتكم فإنّ البرلمان دسّاسٌ!

تخيّروا لأصواتكم فإنّ البرلمان دسّاسٌ!

في عهدة 2012، نزلت قناة خاصة إلى بهو البرلمان لتستفسر السادة النواب، بسؤال بسيط، عن مفهومَيْ “الميزان التجاري” و”الميزانية العامة للدولة”، ومع أن الجواب في غاية البداهة لدى كل عارفٍ بأبجديّات الإدارة أو يقرأ الصحف ويستمع إلى البرامج الإذاعيّة والتلفزية، فإنّ السؤال فضح جهل أفراد العينة المُستجوَبة بمهام النائب البرلماني.

وفي مرة ثانية، كان استجواب أعضاء البرلمان حول آخر كتاب قرأوه، لكن المفاجأة الصادمة أنّ الجميع لا يقرأ، بل عجزوا عن استحضار أي عنوان، ولو قديم، مرّ على ذاكرتهم.

طبعًا لا يمكن في الحالتين تعميم الموقف على كافة البرلمانيين، إذ توجد بينهم نخبٌ عالية المستوى، علميّا وسياسيّا، لكن الحقيقة التي لا يمكن حجبها أن تلك العيّنات تعبّر للأسف عن حال الغالبية الرديئة.

وفي سياق الحملة الانتخابية الجارية لاستحقاق 2021، نتذكر تلك النماذج “الأميّة”، أو التي قذف بها الإفساد السياسي إلى تمثيل الشعب رغمًا عنه، حيث تحيد اليوم خطابات المترشحين عن جوهر الوظيفة التشريعية والرقابية والتمثيليّة للبرلمان، إذ خلت في عمومها من عرض تصوُّرات واقعية لإصلاح السياسات الحكومية في مختلف القطاعات الحيوية، وتلبية حاجيات المواطنين بأفكار منهجية قابلة للقياس، مقابل إطلاق وعود خيالية، هي أصلا من اختصاص السلطات التنفيذية، ما يُنبئ بأنّ الانتخابات لا تزال في ثقافة الكثيرين موسمًا للكذب الموصوف أو استغباء المواطنين لأجل الترقية الاجتماعية الخاصّة، بعيدا عن سلوك المصارحة والمكاشفة بحقيقة الواقع.

ما كشفت عنه الخطابات والتجمُّعات حتى الآن، هو أن أغلبية المتهافتين على البرلمان لا تملك أدنى تصور عن شؤون الدولة القطاعية، فضلاً على أن تعرض أفكارًا إصلاحية عملية، ولا يزيد كلامهم عن وعود جوفاء، تُمنّي المواطن بالفردوس الأعلى في بلد خزينته الماليّة توشك على الخواء.
وظهر أن بضاعتهم المزجَّاة لا تعدو محاولات التسلق على جماجم الآخرين والهجوم على السابقين، كأنهم مُرسلون بالعناية الإلهية ومعهم خاتم سيدنا سليمان.

لقد تركزت حملة الطامعين في النيابة الشعبية على سرد نقائص التنمية محليّا، فراحُوا يجردون الممتلكات العامّة والمشاريع الغائبة عن مناطقهم منذ الاستقلال، حتى ظهر أنهم يتسابقون على المجالس البلدية والولائية وليس مؤسسة البرلمان، باستثناء رؤساء أحزاب جادَّة انبروا على قلتهم إلى تشخيص الوضعية العامَّة للبلاد في مختلف جوانبها السياسية والمؤسساتية والاقتصادية، وعمدوا إلى شرح مقترحاتهم البديلة.

ليكن واضحًا لدى المواطن الناخب أن وظائف عضو البرلمان محددة قانونيّا ولا مجال للتحايل على البسطاء بوعدهم بتوفير كل شيء، وهي تنحصر أساسا في التشريع، وممارسة الرقابة على عمل الحكومة ومدى تنفيذ برنامجها من خلال الإجراءات المحددة في الدستور.

كما يضطلع النائب بتمثيل الشعب والتعبير عن انشغالاته برفعها إلى الجهات المعنية والتحسيس بها والدفاع عنها، دون حيازته أي سلطة قرار بشأنها، فهو مجرد وسيط مع السلطة التنفيذية في مختلف المستويات، ويمكنه بناء على آراء المواطنين تقديمُ اقتراحات في المسائل المطروحة.

وبذلك يتضح أنّ الغالبية من “النواب المُفترضين” تجهل طبيعة مهامها، وبعضهم الآخر يتجاهلها لاستدراج ناخب لن يقابلوه بعد 12 جوان، ليتفرغوا في حال صعودهم البرلماني لقضاء مآربهم الخاصّة، والتمتع بالأجرة المغرية، واستغلال النفوذ في تحقيق المصالح الضيقة.

مرة أخرى، وحتى لا نُتَّهم بتشويه الممارسة السياسية والتشكيك في جدوى الانتخاب، نؤكد أنّ تلك المساوئ على انتشارها اللافت لا تنسحب على كل الراغبين في تزكية الشعب، إذ يوجد بينهم وقبلهم منْ يمثّل المواطنين بصدق وأمانة، مُحافظًا على عفّة يده ونظافة عرضه، أمّا من بدأ مشواره الدعائي بالتدليس فهو من إخوان إبليس، ويستحيل أن يكون مُرادُه خدمة الصالح العام، فلا تنخدعوا بحذاقة ألسنة اللصوص وزخرف الكلام المعسول.

على الجزائريين أن يتخيّروا لأصواتهم فهي أمانة، ويتحرّوا في منح الثقة باعتبارها شهادة، ويبحثوا عن الأكفأ للوظيفة البرلمانية قدر المستطاع، والأسلم لهم في واقع التشتت القائم اليوم بآلاف المترشحين، أن ينحازوا إلى فرسان الأحزاب ذات البرامج والتنظيم، ما يسمح لها بمرافقة نوابها وفق رؤية وطنية موحدة تجاه سياسات الحكومة، فيكون في وُسعها التعديل والإثراء والاقتراح، وإنْ فضّلوا الأحرار فوجب أن يكونوا من ذوي الكفاءات العليا، الجديرة بتمثيل الشعب وطنيّا بمؤهِّلاتهم العلمية والثقافية والسياسيّة، لأن البرلمان ليس مثل “لجان الأحياء الشعبية”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • Wa7ed

    هلا قرأت يا كاتب المقال ويا قراء المقال هذا الجزء من المقال"وهي تنحصر أساسا في التشريع" والعياذ بالله. توبوا الى بارئكم ولا تجعلوا حكم الجاهلية والفسق والكفر ينخر مجتمعنا المسلم.

  • عمار

    الافضل ولاحسن الغاء هذا البرلمان من اساسه لانه تبذير لاموال الشعب والدولة فقط البرلمان الجزائري لا خير فيه فهو منصب لجلب الاموال وقضاء المصالح الشخصية واقامة علاقات وبناء شركات خاصة وغيرها . والله ان البرلمان الجزائري لعبة وعبث ورفع للايدي لا غير . ننصح دولتنا بالابقاء علي مجلس الامة وفقط لكن بشرط ان يضم امناء هذه الامة وعلمائها الاكفاء وحكمائها وليس من هب ودب وفق الله الجميع

  • لزهر

    كيف تعمل الأنظمة الفاسدة. تجعل الناس تتبع أهواءها فيصبح الإنسان كالقطيع يتهادى في المراعي يخرج في الصباح و يعود في المساء و كأنه لا يحكمه شيء . و يحس أنه أفضل حال بعيداً عن كل ما هو قانوني . و في الحقيقة هو يقضي على نفسه و يجني على مجتمع بأكمله و يتحول الكل إلى عبيد داخل شبكة فراغات السلطة. و لو أمثُل أمام الشعب في البرلمان لقمت بسد كل الفراغات القانونية بمشروع أقلب في الموازين رأس على عقب بأستشارته لوضع الجميع في رواق واحد دون هوادة و بدون إستثناء. مجرد رأي.