تراجع أمريكا الذي “يحجب” تقدُّم الغرب
لأول مرة منذ عقود تنشأ حالة من التوافق بين مجلس الأمن والجمعية العامة حول الملف الفلسطيني وملف القدس، حيث فاز مشروع قرار مماثل للقرار الذي عرض على مجلس الأمن بـ128 صوت، أدان قرار ترحيل السفارة الأمريكية إلى القدس، فيما لم يصوِّت إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل سوى 7 دول مجهرية: غواتيمالا، هندوراس، جزر مارشال، ميكرونيسيا، ناورو، بالاو، توغو.
ولا بد أن مندوبة الولايات المتحدة تكون قد أرهقتها جلسة الجمعية مثل جلسة مجلس الأمن، وقد سبق لهايلي أن هددت قبل التصويت بالقول: إن الرئيس ترامب قد كلفها بـ”تقييد أسماء” الدول التي ستصوِّت لصالح مشروع القرار، وأن الولايات المتحدة “سوف تقطع مساعداتها” عن هذه الدول التي دعاها الرئيس التركي إلى أن “لا تبيع إرادتها، بدولارات تافهة”.
ومع أن قرار الجمعية لا يغير من الأمر شيئا، فإنه يأتي ليُعرِّي حالة العزلة التي تعيشها الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، على الأقل في ملف القدس والاستيطان، ليس لأن المجموعة الدولية تكون قد تغيَّرت، وصارت أكثر إنصافا للشعب الفلسطيني، بل لأن الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب وإدارة الكيان مع نتنياهو تفسدان على الجميع التسويق الهادئ وبالتقسيط المريح لمشروع “حل الدولتين” الذي اشتغل عليه الجميع منذ أن قبلت القيادة الفلسطينية بمبدأ الدولتين الذي يتساوق مع رغبات أرباب العولمة.
أحد القراء الأفاضل علق على محصلة تحليل سابق حول قرار تصويت مجلس الأمن الأخير، وعزلة الولايات المتحدة بالقول: “راشدين يظهر في هذا التحليل شخصا مختلفا عمَّا عهدناه، لا ينفك يردد مصطلح “حكومة الدابة العالمية، أو الحكومة الخفية التي تسيِّر العالم.. وأن الغرب كله يخطط وينفذ نفس الإستراتيجية للقضاء على الأمة الإسلامية.. ها هو في هذا المقال على غير هذه الحال.. العالم ضد “أمريكا” فأين الحكومة الخفية التي تنسِّق وتنفذ بذكاء وحنكة لا طاقة للبشر بها…؟”.
ما لم يلمسه القارئ الكريم، ومعه كثيرٌ من العرب والمسلمين، أن مصطلح الغرب لم يعد “مصطلحا جغرافيا” يعني دول المعسكر الغربي إبان الحرب الباردة، بل تحول بعد سقوط جدار برلين إلى “مصطلح عقائدي” يصف الدول والقوى التي تعمل برضاها أو رغم أنفها تحت إملاءات قوى خفية، نرى أثرها في نشاط أذرعها التنفيذية في المؤسسات الدولية الوازنة مثل: صندوق النقد الدولي، والبنك العالمي، وبنك المقاصة، ومنظمة التجارة العالمية، والمنظمة العالمية للصحة، ومنظمات أخرى تسهر على تنفيذ ما يُسمى بالقانون الدولي، الذي صنعه “الغرب الجغرافي” زمن الهيمنة، واكتسب حلفاء من الشرق والجنوب، رأيناهم ينفذون سياسات لا تختلف كثيرا عن سياسات الغرب الجغرافي.
وإذا كانت الولايات المتحدة في تراجع، تحديدا منذ هزيمتيها في أفغانستان والعراق، فإن “الغرب العقائدي” المتناغم مع بعض مشاريع الصهيونية المسيحية هو في تقدُّم، وقد اكتسب حلفاء في قلب العلم العربي والإسلامي، ونراه يتقدم بخطى حثيثة، وبانخراط قوى عظمى جديدة في مشروع ترويض الفضاء الإسلامي عبر ما يسمى بمحاربة “الإرهاب الإسلامي” والتطرُّف الديني، وتراجعُ الولايات المتحدة لا يعني تراجع هيمنة أدوات العولمة التي صُنِّعت في “الغرب الجغرافي” قبل أن تبسط هيمنتها على ربوع المعمورة: عابرة للقارات، والحضارات، والأديان، وقد بدأت تصنِّع لنا اليوم في الشرق العربي قياداتٍ جديدة مؤهَّلة لحملنا على تغيير الجلد والمِلة والنِّحلة في عقودٍ قليلة قادمة.