ترامب، البوّابة الجديدة… غزّة، “ميثاق السلام”، ومأسسة الوحشية!
في زمنٍ اختلطت فيه الشعارات بالدم، وتراجعت فيه البصيرة أمام الخداع المنهجي، وجدتُ نفسي مدفوعًا إلى كتابة هذا النص بوصفه صرخةً فكريةً وأخلاقية، لا انفعالًا عاطفيًا، بل تشخيصًا لما آل إليه النظام الدولي في لحظة انكشاف غير مسبوقة.
غزّة لم تكن استثناءً.
كانت كشفًا.
ما جرى في غزّة لم يكن فشلًا في النظام الدولي، بل اللحظة التي توقّف فيها هذا النظام عن التظاهر بأن القانون والكرامة والحياة الإنسانية قيمٌ كونية. لم يكن العنف مخفيًا، بل كان مُبَثًّا، موثّقًا، مُدقَّقًا، ثم جرى تطبيعه. وما إن اكتمل هذا التطبيع، حتى تلاه طورٌ ثانٍ: ليس طور المحاسبة، بل طور إعادة التنظيم.
إن ما يُسمّى بـ“ميثاق مجلس السلام” لا يُصلح القانون الدولي، بل يتجاوزه. إنه يؤشّر إلى ولادة نظام ما بعد القانون، حيث لا يعود السلام متأسسًا على العدالة أو الكونية، بل يُدار عبر الدعوة، والمال، واحتكار التأويل. وفي هذا البناء، لا يقدّم دونالد ترامب نفسه بوصفه إلهًا، بل شيئًا أكثر عملية: بوّابةً تمرّ عبرها الشرعية.
غزّة بوصفها لحظة انكشاف
بين أكتوبر 2023 ونهاية 2025، قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين. مُسحت أحياء كاملة. استشرى الجوع. مات الأطفال لا بالقصف وحده، بل بالجفاف، وبالأمراض غير المعالجة. أطعم الآباء أبناءهم أعلاف الحيوانات. انهارت شبكات المياه. اختفت المستشفيات.
لم يحدث شيء من هذا في الظل. الأقمار الصناعية رصدت التدمير. الصحفيون وثّقوا. الحكومات أُحيطت علمًا. لم يكن العالم جاهلًا. كان حاضرًا.
بحلول مطلع 2024، تجاوز حجم المتفجّرات المُلقاة على غزّة ما استُخدم في حروب كبرى من القرن العشرين. لم تكن جريمةً خفيّة، بل جريمةً مشهودة.
غزّة لم تكن انحرافًا مأساويًا عن النظام الدولي، بل اللحظة التي كشف فيها هذا النظام تراتبية الحياة البشرية داخله. لم يكن ذلك مجازًا، بل تشخيصًا.
القانون مُعَرَّف… ثم مُعَطَّل
حين تكلّمت الآليات القانونية الدولية أخيرًا، جاءت لغتها دقيقة… وعاجزة.
محكمة العدل الدولية أشارت إلى خطر معقول لوقوع إبادة جماعية. المحكمة الجنائية الدولية تحرّكت نحو المساءلة. وكالات الأمم المتحدة وثّقت استخدام التجويع كسلاح حرب. لكن شيئًا من ذلك لم يغيّر المسار. بل على العكس، وُضعت هذه المؤسسات نفسها تحت الضغط.
لم يختفِ القانون الدولي. جرى جعله مشروطًا. يُحتفى به حين يقيّد الخصوم، ويُحيَّد حين يقترب من المحميّين. أظهرت غزّة أن المشكلة ليست في غياب المعرفة القانونية، بل في انتقائية الإرادة السياسية.
حتى في قلب ما بدا كحالة نموذجية لجريمة كبرى، استمرّ الغرب في حماية الجناة ودعمهم. لم يُنكَر القانون، بل جرى تجاوزه.
من الانكشاف إلى الالتفاف
بعد أن كشفت غزّة الانهيار الأخلاقي، بدأ الطور الثاني: إعادة الهيكلة دون محاسبة.
طُرح “مجلس السلام” أولًا في سياق “ما بعد النزاع” في غزّة، غير أن نصّ الميثاق المتداول لا يذكر غزّة أصلًا. بل يقترح مؤسسةً عالمية دائمة، بلغة كاشفة: الأنظمة القائمة “فشلت”، الاعتماد يجب أن ينتهي، والمرونة مطلوبة.
عند قراءة هذه اللغة بعد غزّة، يتّضح معناها الحقيقي. هذا ليس إصلاحًا، بل تخلٍّ عن القيود.
الميثاق لا يسعى إلى إصلاح القانون الدولي، بل إلى تجاوزه.
الوهن المتنكّر في هيئة قوّة
لا تكمن أهمية الترامبية في استعراضها، بل في منطقها.
في ظل دونالد ترامب، تخلّت القوة عن الحرج. أصبح القانون خيارًا. تحوّلت الأخلاق إلى صفقة. حلّ التقدير الشخصي محلّ الضبط المؤسسي. لم يخترع ترامب الممارسة الإمبراطورية، بل جرّدها من لغة الخجل.
التفسير الأعمق يتجاوز الشخص. يصف المؤرخ والديمغرافي الفرنسي إيمانويل تود اللحظة الغربية الراهنة بوصفها مرحلة تفكّك داخلي مُقنّع باندفاع خارجي. فمنذ نهاية الحرب الباردة، لم يتوسّع الغرب انطلاقًا من قوّة متماسكة، بل من وهن داخلي، في ما يسميه “مفارقة التوسّع القهري”.
يربط تود ذلك بانهيار منظومات المعنى، وانتقال الولايات المتحدة من النيوليبرالية إلى العدمية، إلى ما يصفه بـ“الدولة الصفر” دينيًا: مرحلة تتآكل فيها الأطر الأخلاقية الموروثة دون أن يُستبدل بها شيء متماسك.
في هذا الفراغ، لا تختفي المؤسسات، بل تتحوّل. يصبح القانون لغةً، والشرعية وصولًا، وتنتقل السلطة من الكونية إلى التقدير الفردي.
الترامبية ليست فوضى. إنها انسجام داخل التفكّك.
السلام بوصفه إدارة
يمنح ميثاق مجلس السلام شكلاً مؤسسيًا لهذا المنطق.
العضوية ليست كونية، بل بالدعوة. الاستمرارية ليست حقًا، بل تُشترى. الإقصاء تقديري. القيادة مُشخصنة. التأويل مُحتكر. والمدة مرهونة بالتجديد من سلطة واحدة.
هذا ليس نظام سلام مؤسسًا على القانون، بل جهاز إدارة يعمل من دونه.
ورغم كل إخفاقاته، يبقى نظام الأمم المتحدة محكومًا بإجراءات، وتداول سلطة، ومعاهدات، وقرار جماعي. أما مجلس السلام فيستبدل ذلك بإمكانية الدخول، وعتبات التمويل، واحتكار التفسير.
لم يعد السلام أفقًا معياريًا، بل خدمةً مُدارة.
ليس ألوهية… بل عبور
لا يحتاج ترامب إلى إعلان سيادته على العالم. يفعل الميثاق ما هو أنجع.
إنه يجعله البوّابة.
المشاركة رهينة دعوته. الديمومة رهينة الامتثال المالي. المعنى رهين تفسيره. الاستمرار رهين تجديده.
هذه سيادة مُقطَّرة: لا هيمنة شاملة، بل تحكّم في الدخول والتعريف. وفي النظرية السياسية، غالبًا ما يكون ضبط البوابات أكثر فاعلية من القسر المباشر. لا حاجة للإجبار حين تُعرَّف المعايير ذاتها.
يفسّر تحليل تود لماذا تظهر مثل هذه البنى الآن. حين ينهار المعنى المشترك، تتركّز السلطة لا عبر الشرعية، بل عبر التحكّم في العبور.
حين يصبح التعاطف جريمة
النظام القائم على التراتبية لا يحتمل الوضوح الأخلاقي.
سرّعت غزّة نمطًا مألوفًا: مراقبة التضامن، ضبط الخطاب، الضغط على الجامعات، تأديب اللغة. تحوّلت فلسطين إلى الخط الأحمر للتعاطف المسموح.
ليس ذلك مصادفة. في نظام عدمي، يُربك التعاطف قابلية الإدارة. إنه يُعيد إدخال الحقيقة حيث يُراد للسرد أن يظلّ مُسيطرًا.
يصف تود هذا الانزلاق بأنه انتقال من الجهل إلى تثبيت الزيف: ليست المشكلة في نقص المعلومات، بل في تعطيل أثرها الأخلاقي.
يعمل الميثاق في المجال الأخلاقي ذاته: سلام بلا عدالة، استقرار بلا حقيقة، حوكمة بلا مساءلة.
من الانكشاف إلى الديمومة
كشفت غزّة ما أصبح عليه النظام. أزالت الترامبية الأقنعة. ويسعى مجلس السلام إلى جعل هذا الواقع دائمًا.
تتردّد بعض الدول. تمتثل أخرى. لا عن قناعة، بل لأن الدخول أصبح مهمًا. لم تعد النفوذات تمرّ عبر قواعد مشتركة، بل عبر غرف يجب دخولها.
هكذا تستقرّ أنظمة ما بعد القانون: لا عبر الرضا، بل عبر الإحساس بالحتمية.
الشاهد المُخدَّر
في تأملاته الأخيرة، يصف أمير نور شخصية “الإنسان الغربي الأخير”: ذاك الذي يرى كل شيء، يعرف كل شيء، ولا يتحرّك. ليس جاهلًا، بل مُخدَّرًا.
يمنح تود الأساس السوسيولوجي لذلك. حين ينهار المعنى دون بديل، لا تُحدث الفظائع صدمة، بل تُعالج إداريًا. لا تتكيّف المؤسسات لمنع التكرار، بل لضمان الاستمرارية.
ليس مجلس السلام شأنًا خاصًا بغزّة، بل بما يليها، حين يُكشَف انتقائية القانون.
ما تعلّم هنا التاريخ…
التاريخ واضح.
حين يُفصل السلام عن العدالة، ويصبح القانون انتقائيًا، ويُحتكر المعنى من سلطة واحدة، لا يأتي السلام.
تأتي الإمبراطورية.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان هذا النظام قادرًا على إدارة ما بعد الحروب، بل ما إذا كان العالم سيقبل مستقبلًا يُمنح فيه السلام بالدعوة، ويُصان بالدفع، ويُفسَّر عبر بوّابة واحدة.
أظهرت غزّة ما يحدث حين يُعرَف القانون ويُتجاهل. ويُظهر مجلس السلام ما يسعى البعض إلى بنائه بعدها: ليس إصلاحًا، بل استبدالًا.
لا يحتاج ترامب إلى ادّعاء الألوهية.
لقد استحوذ على ما هو أكثر حداثة، وأكثر كفاءة، وأكثر خطورة:
البوّابة.