“تراند القشابيّة”… اللباس التقليدي يعُود إلى الواجهة العالمية
تحوّلت القشابية، خلال الأيام الأخيرة، إلى “ترند” واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد ظهور شخصيات جزائرية معروفة، وهي ترتدي هذا اللباس التقليدي الأصيل، في مشهد أعاد النقاش حول رمزيته وقيمته التاريخية والثقافية داخل المجتمع الجزائري وخارجه. كما لم يقتصر تأثير الترند الرقمي الذي انتشر مؤخرا على كونها لباسا تقليديا فقط، حيث ساهم في تغيير نظرة فئة واسعة من الشباب تجاهه، من الذين تجاوبوا مع هذا الانتشار بعد إدخال لمسات عصرية على تصاميمها.
وتزامن انتشار القشابية على المنصات الرقمية مع فصل الشتاء وبرودة الطقس، الأمر الذي جعل العديد من الصفحات العربية تعرف بها في منشورات مطولة حول نوعيتها وطريقة صناعتها وتقديمها للمتصفحين على أنها لباس شتوي “فاخر”، حيث ساهم هذا التداول الرقمي في توثيق طريقة صناعتها والتأكيد على جودتها العالية وقدرتها على مقاومة انخفاض درجات الحرارة.
وبالمقابل، رافق هذا الانتشار محاولات لنسب هذا الزّي الرجالي الجزائري إلى دول أخرى، وهو ما أثار ردود فعل جزائرية واسعة للتأكيد على الجذور التاريخية والجغرافية للقشابية، كرمز أصيل للهوية الجزائرية.
تشويه القشابية… ضياع جزء من التراث المادي
وفي هذا السياق، كشف الحرفي وصاحب ورشة خاصة بصناعة الملابس الوبرية في بلدية مسعد بولاية الجلفة، أحمد محمدي، أن القشابية ارتبطت بمحطات مفصلية من تاريخ الجزائر، خاصة خلال الثورة التحريرية، حيث رافقت المجاهدين في ظروف مناخية صعبة، قبل أن تتراجع تدريجيا بعد الاستقلال أمام انتشار الأزياء والملابس العصرية المستوردة، رغم تمسك سكان بعض المناطق بها، خاصة في الولايات الداخلية.
مشيرا إلى دور الحرفيين في الحفاظ على هذا الموروث وتطويره، وقال محدثنا: “هذه الصناعة التقليدية لا تعتبر مجرد منتج تجاري يحقق من وراءه الأرباح المادية رغم ارتفاع ثمنها… هذا اللباس الذي أصبح من الأزياء العالمية هو مسؤولية ثقافية، وموروث شعبي لا تزال تتداوله الأجيال على اختلاف مناطق الجزائر واختلاف نوعية الوبر المصنوع منه”.
محمدي: القشابية ارتبطت بمحطات مفصلية من تاريخ الجزائر
وبحسب أحمد محمدي، فهو يسعى رفقة عائلته من أجل الحفاظ على أصول القشابية التقليدية، من حيث المواد وتقنيات الحياكة. لأن أي تشويه لها، على حد قوله، يعني ضياع جزء من التراث المادي لبلادنا، وبالتالي، يسهل تقليده من طرف بلدان أخرى.
ولفت محدثنا، إلى أن والده كان من بين الحرفيين المعروفين في ولاية الجلفة، وقد أنتجت ورشتهم قطعا ارتدتها شخصيات رسمية ودبلوماسية، بل واستعملت بعضها كهدايا بروتوكولية في مناسبات مختلفة.
تصاميم جديدة تتماشى وأذواق الشباب
وأوضح محمدي، أن أسعار القشابية المصنوعة من الوبر الحرّ تتراوح بين 5 و12 مليون سنتيم، وقد تفوق ذلك بحسب النوعية ودقة الحياكة، إلا أن ذلك لم يمنع الإقبال عليها، خاصة من طرف المغتربين الجزائريين الذين يعتبرونها قطعة تختصر علاقتهم بالوطن.
وأشار إلى أن ورشته تعتمد بشكل أساسي على وبر الجمال كمادة خام، يتم جلبه من الولايات الجنوبية وحتى من دول الجوار، نظرا لما يتميز به من جودة وقدرة عالية على مقاومة البرد. وأضاف أن الاختلافات الجهوية تنعكس على اختيار الألوان، حيث يفضل سكان منطقة الشاوية اللون الأسود، بينما يميل سكان الجلفة إلى اللون البني.
ولفت الحرفي محمدي، إلى أن الإقبال المتزايد من فئة الشباب دفع الحرفيين إلى تطوير تصاميم جديدة تتماشى مع أذواقهم، دون المساس بروح اللباس التقليدي، خاصة بعد التهافت على اقتنائها رغم ارتفاع أسعارها في بعض الأحيان.
ويعمل محمدي حاليا بحسب ما كشفه لنا، على تقديم منتجات بنماذج حياكية تناسب الشباب والمناسبات والاستعمال اليومي، كما تم إدراج تصاميم شتوية موجهة للنساء، بلمسات عصرية على هذا التراث الأصيل.
مؤكدا أن الحفاظ على القشابية يمر عبر دعم الحرفيين الحقيقيين وتشجيع الصناعة التقليدية الأصيلة، ومحذرا في الوقت نفسه، من التقليد الرديء والذي يفرغ حسب تأكيده، اللباس من قيمته التاريخية والجمالية.
ليشير أحمد محمدي، في الأخير، إلى أن القشابية لم تعد مقتصرة على الأسواق المحلية فقط، بعدما وجدت طريقها إلى الأسواق الدولية، خاصة في الدول ذات الطقس شديد البرودة مثل أوروبا وكندا. مضيفا أن قدرة هذا اللباس على التكيف مع العصر دون أن يفقد جوهره التاريخي والثقافي، هو سبب الإقبال عليه من قبل الشباب.