ترميم الحكومة بالرميم
عندما يخفق تعديل وزاري طال ثلاثة عشر وزارة في صناعة الحدث، في تحريك مياه إدارة الشأن العام الآسنة، وترميم صورة الحكومة المنكوبة، فلا بد لصانع القرار أن يسارع إلى مراجعة حساباته، إذا كان لهذا التغيير حسابات أصلا، مع أن التغيير طال ثلاث وزارات سيادية: الداخلية، والمالية، والطاقة، واستبعد معها ثلاث شخصيات قوية، حتى مع حرص الرئيس على توفير مقعد “كاتم للصدمة” لوزير الداخلية الأسبق.
ردود الأفعال الأولى عند أقطاب الموالاة والمعارضة توقفت عند الحدود الدنيا من صيغ الترحيب الفاتر عند التجمع والجبهة، أو بوصفه بـ “لا حدث” بإجماع المعارضة، فأحجم الجميع عن المجازفة بفك شفرة التغيير، الذي فاجأ الجميع بافتقاره لعنصر المفاجأة، في وقت كان أكثرهم يراهن عليه لتحريك قطار الجزائر المعطل.
من الناحية التقنية الصرفة، أبقى التغيير الوزاري على “الكتلة الحرجة” لما يعرف برجال الرئيس، باستثناء إعفاء السيد بلعيز الذي هو أقرب إلى حالة ”إبعاد” لرجل كان يعد من المقربين، يكون قد دفع أثمان الأزمات الأمنية والاضطرابات الاجتماعية في مدن شمال الصحراء، ولم يغفر له خاصة فقدان السيطرة على جهاز الشرطة، الذي نفذ بعض عناصره سابقة بتنظيم احتجاج أمام قصر المرادية، ومثله يكون السيد يوسفي قد دفع ثمن سوء إدارته لملف الغاز الصخري، وعدم قدرة وزارته على تدبير استشراف مبكر لأزمة أسعار المحروقات، فما يكون وزير المالية قد دفع بدوره ثمن العجز في ابتكار حلول مالية سريعة، كانت ستعفي الحكومة من التصديق على ميزانية غير متوازنة، بعجر غير مسبوق حتى في زمن البقرات العجاف.
غير أن إرادة العقاب لم تكن هي المقياس، وإلا كان التغيير قد طال وزير التجارة، الذي كاد يحدث فتنة بتحرير تجارة الخمور بالجملة، ولم يقدم إضافة تذكر لجهة ترشيد التجارة، ومحاربة التضخم، كما لم يعاقب السيد غول بما شهده قطاع النقل من أزمات خاصة في مجال الطيران، وخرجت السيدة بن غبريط سالمة، وهي التي دخلت في أكثر من مقامرة مع إطارات وزارتها، ومع النقابات، والأولياء، والتلاميذ.
العقاب كان أكثر وضوحا في حالتين: وزارة الثقافة، ووزارة الشباب والرياضة، فتكون وزيرة الثقافة قد دفعت ثمن فوضى إدارة تظاهرة قسنطينة، وإفسادها لعرس ثقافي إسلامي كان يعول عليه للتغطية على مخلفات كارثة تظاهرة “تلمسان عاصمة الثقافة العربية” فيما حمل وزير الشباب والرياضة وزر الهزيمة المنكرة أمام عيسى حياتو في ملف كان 2017.
وحدها إراحة بعض المقربين المرضي عنهم، بالتبديل المريح للسروج، لا يحتاج إلى إشغال العقل فيه كثيرا، سوى من جهة ترسيخ “الثقة” بما يتمتع به وزراؤنا من تعدد في المواهب، والخبرات، والكفاءات، والتخصصات، تسمح لهم بإدارة أي وزارة تعرض عليهم، اختصاص جزائري صرف، قد يسمح لنا في المستقبل القريب باستبدال مصطلح “التغيير الوزاري” بمصطلح “التغيير بين الوزراء” أو بالمصطلح الذي ابتكره زميلنا عمار يزلي أمس الأول “حكومة الأنقاض الوطني” أو بمصطلح ” الترميم الحكومي بالرميم“.