تصحيح البكالوريا.. مرحلة حاسمة في منظومة التقييم
تُعد مرحلة تصحيح امتحانات شهادة البكالوريا إحدى أكثر المراحل حساسية في المنظومة الوطنية للتقييم، لأنها تمثل الحلقة الفاصلة بين الجهد الذي بذله المترشح طوال سنوات الدراسة، والنتيجة التي سترسم مستقبله الجامعي والمهني.
ومن هذا المنطلق فإن التصحيح ليس مجرد عملية تقنية لتوزيع العلامات، بل هو التزام أخلاقي ومسؤولية تربوية وأمانة وطنية يحكمها القانون، وتؤطرها النصوص التنظيمية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية.
لقد أولت وزارة التربية الوطنية ، بقيادة الدكتور محمد صغير سعداوي، أهمية بالغة لتعزيز مصداقية الامتحانات الوطنية من خلال مواصلة تحديث آليات التسيير وإرساء ثقافة الحوكمة الرقمية، وتكريس مبادئ الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص.
وتندرج الإجراءات التنظيمية المعتمدة داخل مراكز التصحيح ضمن رؤية إصلاحية تهدف إلى ضمان حماية حقوق المترشحين ، وتحصين شهادة البكالوريا باعتبارها إحدى أهم الشهادات الوطنية.
ويستند تنظيم الامتحانات المدرسية في الجزائر إلى القانون التوجيهي للتربية الوطنية رقم 08-04 المؤرخ في 23 جانفي 2008 المعدل والمتمم ، والذي يكرس مبدأ المساواة بين المتعلمين ويؤكد ضرورة إخضاع عمليات التقييم لمعايير موضوعية وعادلة.
كما تؤطر مختلف المناشير والتعليمات الوزارية الخاصة بتنظيم الامتحانات الوطنية سير مراكز الإجراء والتصحيح، وتحدد بدقة واجبات جميع الفاعلين، بما يضمن النزاهة والسرية والانضباط.
وفي هذا الإطار يكتسي عمل الأستاذ المصحح أهمية استثنائية، فهو مؤتمن على تقييم إجابات آلاف المترشحين وفق سلم التنقيط الرسمي والتعليمات الموحدة التي تعتمدها لجان المادة.
ولا مجال في هذه المهمة للاجتهادات الفردية أوالتقديرات الشخصية الخارجة عن الإطار البيداغوجي، لأن كل نقطة قد تحدد مصير مترشح وكل خطأ في التصحيح قد يترتب عنه مساس بحق من الحقوق الأساسية التي تكفلها الدولة لجميع أبنائها.
ومن أجل تعزيز الثقة في نتائج البكالوريا اعتمدت وزارة التربية الوطنية جملة من الإجراءات التنظيمية من بينها توحيد منهجية التصحيح وعقد الاجتماعات التنسيقية للمصححين قبل الانطلاق في العمل، وإخضاع عمليات التنقيط للمتابعة والمراقبة، فضلاً عن اعتماد آليات دقيقة لمراجعة العلامات والتأكد من سلامة عمليات الجمع والنقل، بما يقلص هامش الخطأ إلى أدنى مستوى ممكن.
ومن بين التعليمات التي تؤكد عليها الوزارة بكل صرامة المنع المطلق لاستعمال الهواتف النقالة والتصوير داخل قاعات التصحيح.
ولا يندرج هذا الإجراء ضمن التدابير التنظيمية فحسب، بل يجد سنده في المبادئ القانونية المتعلقة بحماية الوثائق الإدارية والبيانات الشخصية والمحافظة على سرية الامتحانات الوطنية، فأوراق الإجابة وثائق رسمية لا يسمح بتصويرها أوتداولها أو نشرها خارج الإطار المهني ، كما أن تصوير قاعات التصحيح أو الوثائق أو الزملاء دون ترخيص يشكل إخلالاً بواجب التحفظ والسرية المهنية، وقد يترتب عنه اتخاذ إجراءات إدارية وتأديبية وفق التشريع والتنظيم المعمول به.
كما أن الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية يفرض على الموظف العمومي واجب المحافظة على السر المهني وعدم إفشاء المعلومات أوالوثائق التي يطلع عليها بحكم وظيفته ، وهو التزام يسري بصورة مباشرة على جميع العاملين بمراكز التصحيح.
وتزداد أهمية هذه التدابير في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي ، التي قد يؤدي سوء استعمالها إلى تسريب وثائق رسمية ، أو نشر معلومات غير دقيقة ، أو المساس بمصداقية الامتحانات الوطنية.
ولذلك فإن احترام تعليمات الوزارة بعدم التصوير أو النشر يمثل حماية للمترشحين وصونًا لهيبة الدولة وتعزيزًا لثقة المجتمع في مؤسسات التربية والتعليم.
ولا يقتصر نجاح عملية التصحيح على الجانب التقني، وإنما يرتبط أيضًا بأخلاقيات المهنة التي يتحلى بها الأستاذ المصحح من نزاهة وحياد ودقة وانضباط واحترام لحقوق المترشحين. فالأستاذ الذي يلتزم بسلم التنقيط ويتحرى الموضوعية ويحافظ على سرية الوثائق ، إنما يسهم في ترسيخ ثقافة الجودة والعدالة داخل المدرسة الجزائرية.
إن الإصلاحات التي باشرتها وزارة التربية الوطنية خلال السنوات الأخيرة وفي مقدمتها رقمنة العديد من الخدمات الإدارية وتعزيز الحوكمة وتطوير آليات تنظيم الامتحانات الوطنية تعكس إرادة حقيقية لبناء منظومة تربوية أكثر كفاءة وشفافية، وتؤكد أن الحفاظ على مصداقية شهادة البكالوريا يظل مسؤولية جماعية تتقاسمها الوزارة والأساتذة والإداريون وكافة الفاعلين في القطاع.