-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تصحيح مجرى النقاش عاجلا.. ضرورة استراتيجية

تصحيح مجرى النقاش عاجلا.. ضرورة استراتيجية

في اللحظة التي أصبحنا فيها في حاجة ماسة إلى هيكلة تفكيرنا الجماعي لأجل تجاوز المنعرج الخطير الذي تمر به بلادنا، خاصة من الناحية الاقتصادية والأمنية، ها نحن نتفرغ لكَيْلِ التُّهم لبعضنا البعض وننحرف عن مناقشة المسائل الحقيقية التي تهمّنا ونكاد لا نطرح البتة الأسئلة الصحيحة التي يجب أن تُطرح. وكأن مشكلات المتصارعين ليست هي ذاتها مشكلات بقية الشعب الجزائري والدولة الجزائرية.

الذي يُتابع النقاشات والتلاسن الحاد بين أقطابٍ هي جميعها في السلطة أو كانت قبل وقت قليل في السلطة ومازالت بكل تأكيد تستفيد من ريعها حتى وهي تُعارض بعضها البعض، يكتشف أن محور الصراع لم يكن، ولعله لن يكون ذات يوم، خدمة الشعب الجزائري ومراعاة مكانته وموقعه بين الأمم.

يبدو أن الخلل الاستراتيجي الذي مازلنا نعاني منه في كل مرة هو أننا لا نضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.. باستمرار هي مصالح المجموعات والأفراد التي تَحْكُم سياساتنا، وأحيانا تلك المصالح الضيقة التي لا تتعدى تلبية رغبات جامحة للبعض ومريضة للبعض الآخر. في لحظة معينة يتبدل موقف هذا من اقتفاء أثر أكثر المواطنين بساطة لعله يكون مهدِّدا للدولة بتجارته على الرصيف أو نشاطه غير المرخص، فضلا عن أفكاره التي تعدّ تحريضية، إلى باحث عن تعاطف في أي مستوى لعله يزيد من حظوظه للانتصار على خصومه… وفي ذات اللحظة يتبدل موقف منسلخين عن العمق الشعبي الذي جاؤوا منه، يعرف الجميع فسادهم، إلى “وطنيين” مخلصين يريدون إنقاذ الدولة من دولة  أخرى يقولون إنها كانت داخلها، وينسون أنهم كانوا ضمن هذا الداخل الذي يرفضونه الآن.

ليتنا ننتبه إلى هذا الصراع الهامشي الذي بإمكانه أن يزرع الفتنة بيننا ويهدد أمننا القومي، ويمنعنا من أن نستجمع قوانا لعلنا في لحظة معينة ننطلق نحو أفق أرحب وأكثر متانة وصلابة تُمكننا من ضمان بقائنا وقدرتنا على مواجهة الصعاب المختلفة.

إن مشكلتنا تكمن في هذا المستوى، في ربط مستقبل بلدنا بأشخاص بعينهم، في بناء كل استراتيجياتنا المستقبلية حول موقع شخص أو مجموعة أشخاص مهما كانت عبقرية هؤلاء، بدل جعلها تتمحور حول برامج وسياسات واضحة ومحددة، حتى وإن اختلفنا معها.

لا يعجبني أولئك الذين يتحدثون باستمرار عن مخطط خماسي للبلاد دون أن نعرف تفاصيل هذا المخطط أبدا، باستثناء تلك الخطوط العريضة التي يتم عرضُها بين الحين والآخر أثناء المناسبات الانتخابية، في حين أجد أن البرنامج الذي يطرحه رؤساء المؤسسات اليوم أوضح

بكثير، اتفقنا معه أو اختلفنا، وهو ما يفسر لِمَ تبدو لنا “البترونا” هي التي تحكم وليست الحكومة. وهو ما يجعلنا نجد قراءة أكثر موضوعية لبعض الأوصاف التي تُطلَق في الغالب بدون تعليل عن رجال المال والأعمال الذي أصبحوا أهمّ من البرلمان وأهمّ من الحكومة.

سواء قبلنا أم لا، هؤلاء وضعوا لأنفسهم خطة ولديهم برنامج، سواء لأجل تحقيق “انبعاث اقتصادي” للجزائر كما يصفونه، أم لنهبها وتحطيمها كما يصفهم خصومهم.

 عندما أقرأ في مخطط منتدى رؤساء المؤسسات الصادر في جوان 2015 أجده يضع لنفسه أهدافا استراتيجية لسنة 2020 تتمثل في تحقيق نسبة نمو تقدر بـ 8 %واستحداث 60 ألف مؤسسة سنويا، وزيادة حصة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي ب15 %، وتقليص فاتورة الاستيراد بـ15 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، وزيادة الصادرات بـ10 ملايير دولار.

 لقد أعدتُ قراءة برنامج منتدى أرباب المؤسسات المنشور بالتفصيل على انترنت Fce.dz ووجدت أنه لا يُخفي شيئا عن الرأي العام بشأن رؤيته الاقتصادية من هنا إلى غاية سنة 2020. إنه يطرح أفكاره ويبرر المطالب التي يتقدم بها للحكومة وبدون شك سيسعد إن تحققت هذه المطالب وبنسبة كبيرة. هل الخلل هو في أسلوب المنتدى؟ أم في أسلوب من كان في خندق واحد يدافعون عن المترشح الواحد في الانتخابات الرئاسية ثم تراجعوا اليوم وغيّروا موقفهم إلى النقيض تماما؟ يبدو لي أن المسألة لا تحتاج إلى الكثير من الجهد لفهم أبعادها وخلفياتها: لو كان الصراع استراتيجيا لما تغيّر بين عشية وضحاها، إنما هو تنافس تكتيكي حول من يتموقع قبل الآخر قرب مصدر القرار. وما عدا ذلك، فكلها مناورات تأخذ غلاف الوطنية أحيانا، وغلاف الدفاع عن المسحوقين مرة أخرى…

وهنا علينا أن نبحث عن الحل الحقيقي وغير المرتبط بالأشخاص ولا بالزمر أو الجماعات الضاغطة. الحل المرتبط حقيقة بمستقبل البلاد ومكانتها في العقود القادمة وبمستقبل تطوّر ورفاه واستقرار الشعب الجزائري.

إنني عندما أقرأ في مخطط منتدى رؤساء المؤسسات الصادر في جوان 2015 وأجده يضع لنفسه أهدافا استراتيجية لسنة 2020 تتمثل في تحقيق نسبة نمو تقدر بـ8 % واستحداث 60 ألف مؤسسة سنويا، وزيادة حصة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي بـ15 %، وتقليص فاتورة الاستيراد بـ15 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، وزيادة الصادرات بـ10 ملايير دولار وتطويق الاقتصاد غير الشرعي…. إلخ (انظر ص 6) أجد أنه من واجبنا كجزائريين إذا كنا نرفض الاقتراحات التي تقدم بها هؤلاء لتحقيق هذه الأهداف أو لدينا أهداف أفضل أن نتقدم بها، وبدل أن نَعِد الناس بنسبة نمو تقدر بـ8 % سنويا، نعِدهم بأكثر أو نُقنِعهم بأن هذه النسبة وهمية وهي مجرد شعار، وذات الشيء بالنسبة للتخلص من التبعية أو لإنشاء مناصب شغل أو تأسيس شركات أو غيرها من الأهداف، وأن نجعل الرأي العام شاهدا على برامجنا وأهدافنا ونهيِّئ له الظروف ليكون حَكَما في آخر المطاف، لنا أو علينا بعيدا عن كيل التهم لبعضنا البعض أو المزايدة بوطنيةٍ مَللنا من استخدامها المفرط، أو تخوينٍ كان في أغلب الأحيان في غير محله.

إننا بحق في حاجة إلى تصحيح مجرى النقاش. ينبغي ألا نتجه نحو بديل الاستقطاب حول الأشخاص ونحوله إلى استقطاب حول الأهداف. ذلك أن النمط الأول من التفكير يؤدي بنا إلى إشاعة مزيد من العداوة والشحناء والبغضاء المولِّدة لمزيد من الكراهية والمبشّرة بالصّراع والراعية له. نحن لا نريد أن نكون مع فلان أو ضد فلان. خاصة وأننا نعلم من يكونون جميعا وكيف كانوا، إنما نريد أن نكون مع غايات استراتيجية نضعها لبلدنا ونوجِد الآليات الحقيقية لتقييمها دوريا والحكم على القائمين عليها من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وهو ما نعنيه بالديمقراطية في أبسط معانيها.

 لعلنا إن سِرنا بهذه المنهجية في التفكير، سنتحوّل من حصر أنفسنا في الغايات الاقتصادية والاجتماعية، إلى الانتقال إلى الغايات ذات الطبيعة الاستراتيجية المتعلقة بدور ومكانة بلدنا محليا وإقليميا ولمَ لا دوليا. ذلك هو الطريق الذي يُمكن أن يوجّه تفكيرنا نحو أن نكون كبارا، أما الشكل الآخر من التفكير والذي ما فتئ يَشيع اليوم فإنه سيحجِّمنا أكثر إلى أقل مستوى ممكن، أقل ممن يصفون أنفسهم بالسياسيين ويصفق لهم الناس ربما رياء أو ضحكا على ما يقولون وهم لا يميزون. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • KARIM

    ان الجزائر كانت تسير باقتصاد موجه و نضام سياسي منغلق على ذاته حتى 1988 وقع الانفتاح الاقتصادي بمؤسسات غير قادرة على المنافسة الدولية و منضومة ادارية لا تتماشى و الوضع الاقتصادي الدولي في المجالات الجمركية و الضريبية مما نفر المستثمرين الاجانب و انفجار عرفه الحزب العتيد بعد الانفتاح السياسي بحكم تركيبته التارخية و فكر يجعل الاقتصاد في خدمة السياسة كل هذه العوامل لعبت دورا هاما في الوضع الذي نعيشه اليوم فلماذا تبادل التهم بدل البحث عن الخروج من الانتقالي الذي عمر كثيرا

  • شوشناق

    ياسيد من الواضح من مقالك تاءيد القانون الذى ايسمح بيع أي مؤسسة عمومية و بعد 5 سنوات من فتح رأسمالها، تترك للأجانب ورجال المال لامتلاكها ??
    لماذا لا تطلب من ذكور المال ان يستثمرو أموالهم ضخمة في إنشاء شركاتٍ مُنتِجة للثروة و مصانع جديدة ضخمة او عينكم فى سونطراااك و سونلغاز??

    تعنت و الاصرار والتحايل وسياسة تسويف والتزيف على الزوالية من اجل اخذ مكاسبنا و ثروتنا سوف يؤدى ملا يحمد عقباه...عليكم الغاء القانون الاستعمار 2016 فورا قبل لن ينفع الندم ..اللهم اشهد انى بلغت

  • bouferrache yaakoub

    السلام عليكم..اولا اشكرم استاذ على هذا المقال الرائع و الهادف حقا..فما احوجنا لمثل هذا الكلام لانارة الراي العام الوطني..و لم شمل ووحدة الشعب الجزائري..
    فكما اسلفتم الذكر الجزائر اليوم تعيش على صقيع من نار و على فوهة الانفجار..الوقت الذي يجب على سياسيينا البحث عن حلول و لو مؤقتة للتفادي الكارثة التي ستعصف بالبلاد لا ماحالة..فاذا بنا نشاهد مسلسلات من التلاسنات بين من يدعون دوما انهم حماة هذا الوطن الابديين و المفوظين من الالهة.......
    سيشهد التاريخ عليهم

  • BESS MAD

    تعجبني الأرقام و النسب التي تعطى لمقابلة في كرة القدم .بها يعرف المدرب كل صغيرة وكبير على مردود لاعبيه فيجازي من سيتحق و يسرح من يقل مردوده . هذه هي الشفافية التي نبتغيها من حكامنا كفانا يسويقا للأكاذيب . دولة لا تعطي في نهاية السنة تقريرا شفافا لا غموض فيه يقرأه المواطن البسيط و له الحكم يوم الانتخابات .فيعترف لأهل الفضل أو يعاقب المتقاعص مثل لاعب الكرة. و لكن لا يتم ذلك بتكميم الأفواه و تقييد الباحث عن الحقيقة . فالفئة المذمومة في مقالكم أعطت أرقاما و نسبا تحاسب عليها على الأقل.