تصفية المشاريع الوهميّة وتفصيلات عن تطهير الاستثمار العمومي!
غلق ميزانية المشاريع المطروحة أمام القضاء
إيداع تعويض المتعامل في حساب خاص إلى حين صدور الحكم
إقفال العمليات في حدود الدفعات المسددة إلى تاريخ التوقف
وضعت وزارة المالية حدا لوضعية عدد من عمليات الاستثمار العمومي، التي ظلت مسجلة ضمن البرامج والاعتمادات، رغم انتهاء الأشغال بها، أو توقفها أو التخلي عنها، من خلال تحديد إجراءات دقيقة لغلق أو إلغاء هذه العمليات، بما يسمح بتطهير البرامج الاستثمارية وضبط الوضعيات المالية والمادية الحقيقية للمشاريع، ومنع بقاء الاعتمادات والعمليات معلقة دون مبرر.
وتأتي التعليمة الجديدة رقم 6 الصادرة بتاريخ 5 أوت الجاري، الموقعة من طرف وزير المالية، عبد الكريم بو الزرد، في إطار تعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة وترشيد تسيير المالية العمومية، وضمان الشفافية والدقة في متابعة تنفيذ عمليات الاستثمار العمومي للدولة، بالاستناد إلى قانون المالية لسنة 2025، لاسيما المادة 223 منه، والمرسوم التنفيذي رقم 20-403 المؤرخ في 29 ديسمبر 2020 المحدد لشروط نضج وتسجيل البرامج، والقرار رقم 03 المؤرخ في 11 جانفي 2023 المحدد لكيفيات نضج وتسجيل عمليات الاستثمار العمومي، فضلا عن التعليمة رقم 002 المؤرخة في أول مارس 2010 المتعلقة بتطهير عمليات الاستثمار العمومي.
وتحدد التعليمة إطارا موحدا للتعامل مع العمليات المنجزة كليا، وتلك التي أنجزت جزئيا، والعمليات المتوقفة أو المتخلى عنها، إضافة إلى المشاريع التي توجد محل نزاع قضائي، أو تلك التي يتعذر غلقها بسبب نقص الوثائق والمعلومات الضرورية.
المشروع المنجز يغلق دون انتظار نهاية الضمان
وتوزع مسؤولية إعداد وثائق الغلق بحسب طبيعة البرامج، حيث يتولى مسؤول النشاط أو النشاط الفرعي، عند الاقتضاء، إعداد مقرر الغلق بالنسبة للأنشطة المركزية، بالتنسيق مع مسؤول الوظيفة المالية.
أما في الأنشطة غير الممركزة، فيعد مسؤول النشاط أو النشاط الفرعي مشروع مقرر الغلق، ويخضع لرأي المطابقة من طرف مدير البرمجة ومتابعة الميزانية، الذي يضمن احترام أحكام التأطير المعتمدة في النموذج الذي أعدته وزارة المالية، قبل إرسال نسخة من رأي المطابقة إلى المراقب الميزانياتي والمحاسب العمومي المختصين.
وبالنسبة للعمليات التابعة للبرنامج القطاعي غير الممركز السابق، يواصل مدير البرمجة ومتابعة الميزانية، بتفويض من الوالي، إعداد وثائق التسيير الميزانياتي الخاصة بغلق هذه العمليات.
أما العمليات التابعة للمخططات البلدية للتنمية السابقة، فتغلق العمليات المنجزة بنفس الأشكال التي اعتمدت عند تسجيلها، مع إمكانية تكليف الوالي لمدير البرمجة ومتابعة الميزانية أو مدير الإدارة المحلية بإعداد وثائق التسيير الميزانياتي الخاصة بها.
وتخضع عمليات الاستثمار العمومي لمقرر غلق يعده مسؤول التقسيم العملي للبرنامج ويصادق عليه مسؤول البرنامج، على أن تخضع مقررات الغلق لتأشيرة المراقب الميزانياتي والمحاسب العمومي المختصين، وفقا للتنظيم الساري، قبل إحالتها من طرف مسؤول البرنامج إلى المصالح المختصة بوزارة المالية.
وفي الغلق العادي، يتعلق الأمر بالعمليات التي أنجزت كليا من الناحية المادية والمالية، أي إن الأشغال أو الخدمات أنجزت فعليا وتمت تصفية جميع وضعيات الأشغال، دون وجود تحفظ تعاقدي أو نزاع قضائي.
وبمجرد إتمام الحساب العام والنهائي، يتعين على الأمر بالصرف إيداع ملف الغلق وفق النموذج المحدد في الملحق رقم 01، دون انتظار انتهاء مهلة الضمان.
وتستثنى من ذلك الصفقات التي تتضمن بند مراجعة الأسعار، في حال عدم نشر الأرقام الاستدلالية في تاريخ إعداد الحساب العام والنهائي، حيث يتم غلق العملية بعد نشر هذه الأرقام ومراجعة رصيد الحساب.
وتؤكد وزارة المالية أن وجود اقتطاع ضمان أو كفالة حسن التنفيذ لا يستوجب الإبقاء على العملية مفتوحة بعد الاستلام المؤقت. فاقتطاع الضمان مخصص لتغطية التحفظات المسجلة عند الاستلام المؤقت أو العيوب التي يمكن معاينتها خلال فترة الضمان، ويتم إيداعه وفقا للتنظيم المعمول به، بما يسمح بغلق العملية مع الحفاظ على حقوق المصلحة المتعاقدة إلى غاية رفع التحفظات والاستلام النهائي للأشغال.
وفي هذه الحالة، يتعين على الأمر بالصرف إصدار حوالة دفع تمثل مبلغ اقتطاع الضمان لدى المحاسب العمومي المختص، توضع في حساب إيداع خاص باقتطاع الضمان.
أما كفالة حسن التنفيذ، فتؤكد الوزارة أنها تهدف حصريا إلى ضمان التنفيذ السليم للالتزامات التعاقدية من طرف صاحب الصفقة، وبالتالي لا يمكن أن يكون لها تأثير على إجراءات غلق العملية بعد الاستلام المؤقت.
المشاريع المتنازع عليها والمتخلى عنها تدخل مسار التطهير
وخصصت وزارة المالية مسارا خاصا للعمليات المتنازع بشأنها، وهي العمليات التي أنجزت كليا أو جزئيا من الناحية المادية، لكنها لم تتم تسويتها ماليا بسبب وجود نزاع قضائي أمام الجهات المختصة.
وهنا توضح التعليمة أن غلق العملية لا يعني انتهاء النزاع القضائي، وإنما يمثل إجراء تنظيميا لتسوية الوضعية الميزانياتية للمشروع.
وبالنسبة للعمليات المنجزة كليا من الناحية المادية، يتولى الأمر بالصرف الالتزام وإصدار حوالة دفع إلى حساب إيداع خاص، يتضمن المبلغ المتوقع تعويضه للمتعامل المتعاقد، ثم الشروع في غلق العملية.
وفي حال صدور حكم لصالح المتعامل المتعاقد، يتم تنفيذ قرار التعويض عن طريق المبلغ الموجود في حساب الإيداع.
أما العمليات المنجزة جزئيا من الناحية المادية، فيمكن غلقها وفق الإجراءات نفسها المطبقة على العمليات المتنازع بشأنها والمنجزة كليا من الناحية المادية.
كما فتحت التعليمة الباب أمام غلق العمليات التي تم التخلي عنها نهائيا، سواء كانت قد دخلت مرحلة التنفيذ أم لم يشرع فيها، عندما يكون التخلي عنها ناتجا عن أسباب موضوعية، تقنية أو مالية أو إدارية، وأصبح استئناف الأشغال غير ممكن.
وفي هذه الحالة، يمكن لمسؤول النشاط المعني غلق العملية، مع تحديد أسباب التخلي عنها، بعد موافقة مسؤول البرنامج المعني، ووفقا للنموذج المخصص في الملحق رقم 3.
وتغلق العملية المتخلى عنها في حدود الدفعات المسددة إلى غاية تاريخ الغلق، مع ضبط مجموع النفقات المنجزة في تاريخ توقف الأشغال، وتحديد الوضعية المالية والمادية الفعلية للمشروع.
وثائق مفقودة لا تعطل الغلق والعمليات غير المفردة نحو الإلغاء
ولم تغفل وزارة المالية العمليات التي تعذر غلقها بسبب نقص الوثائق، إذ حددت حالات استثنائية للغلق تخص العمليات التي أنجزت ماديا و/أو ماليا، لكن يتعذر إعداد مقرر غلقها بسبب عدم توفر بعض المعلومات الضرورية أو استحالة استكمال الملف.
ومن بين الحالات التي حددتها التعليمة، غياب الوثائق المحاسبية، وغياب الحساب العام والنهائي، وعدم المصادقة على الوضعية النهائية للأشغال، وعدم التوقيع على محضر الاستلام المؤقت للأشغال.
وفي حال استحالة توفير بعض الوثائق والمعلومات، يتعين على مسؤول النشاط المعني الشروع في إجراءات الغلق وإعداد شهادة إدارية توضح أسباب عدم توفر هذه الوثائق والمعلومات، على أن ترفق بملف الغلق بحسب الحالة.
وبغض النظر عن طبيعة الغلق، يتعين إعداد مقرر الغلق وفق النموذج المنصوص عليه في المنشور رقم 1564 المؤرخ في 6 مارس 2023 المتعلق بكيفيات إعداد وثائق التسيير الميزانياتي لنفقات الاستثمار.
ويضم ملف الغلق بطاقة غلق العملية، وتصريحا بغلقها، إضافة إلى شهادة إدارية عند الاقتضاء تبرر أسباب عدم توفر الوثائق والمعلومات اللازمة.
وتكشف النماذج المرفقة بالتعليمة أن عملية الغلق لن تكون مجرد إجراء إداري شكلي، إذ يتعين تحديد الأمر بالصرف ورمزه، ومقرر التسجيل ورقمه والرقم الثابت وتاريخ التبليغ، إلى جانب اسم العملية ورقمها وتاريخ تفريدها وموقعها وتاريخ الانطلاق الفعلي للأشغال وتاريخ انتهائها أو توقفها.
كما يتم ضبط رخصة الالتزام الأولية والحالية، وإعادة التقييمات التي أجريت، ومجموع النفقات، ومقارنة رخصة الالتزام النهائية بالتكلفة الحقيقية للعملية.
وتشمل العملية أيضا جرد الهيكلة المالية للاستثمار، بما فيها الدراسات والهندسة، والبناء والهندسة المدنية، والأشغال العمومية، والآلات والمعدات، ومعدات النقل والمناولة، والتكوين، والخدمات الخارجية، والمخزون والأدوات وغيرها.
كما تتم مقارنة الهيكلة المادية الأولية للمشروع بما تم تعديله لاحقا وما تم تسليمه فعليا، مع تحديد الفوارق، وتوقيع مسؤول النشاط والأمر بالصرف، وتأشير المحاسب العمومي والمراقب الميزانياتي المختصين على المعلومات المتعلقة بالوضعية المالية والمادية.
وفي المقابل، وضعت وزارة المالية حدا واضحا بين الغلق والإلغاء. فبالنسبة للعمليات المسجلة في إطار القانون العضوي رقم 18-15 المؤرخ في 2 سبتمبر 2018 المتعلق بقوانين المالية، المعدل والمتمم، يتعلق الإلغاء بالعمليات التي لم يتم الإعلان عن طلب العروض المتعلقة بها في أجل أقصاه نهاية السنة المالية الموالية لسنة تسجيلها، طبقا للمادة 34 من القرار رقم 03 المؤرخ في 11 جانفي 2023.
كما يمكن إلغاء عمليات الاستثمار العمومي للدولة، مهما كانت سنة تسجيلها، إذا لم يتم تفريدها، وذلك بناء على طلب مسؤول البرنامج.
ولا يتم هذا الإلغاء بقرار محلي، وإنما بموجب مقرر يصدره الوزير المكلف بالمالية.
وبهذه الإجراءات، تتجه وزارة المالية إلى إعادة ترتيب خريطة الاستثمار العمومي، عبر إخراج المشاريع المنجزة من السجلات الميزانياتية، وتسوية وضعية المشاريع العالقة أمام القضاء، وغلق العمليات التي أصبح استئنافها مستحيلا، في حين يتم شطب العمليات التي لم تدخل أصلا مرحلة التفريد أو لم تستوف شروط استمرارها، بما يسمح بإعطاء صورة أكثر دقة عن حقيقة البرامج الاستثمارية والاعتمادات المرتبطة بها.