-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تطوُّر مفهوم الحرية في الغرب

خير الدين هني
  • 601
  • 0
تطوُّر مفهوم الحرية في الغرب

بعدما عاشت أمم الغرب في أنماط من السلوك التقليدي، في طرق التعامل فيما بينهم ضمن بيئاتهم الداخلية والخارجية، من جراء ما تراكم في وعيهم من أساليب التربية الكلاسيكية، وما ترتب عنها من آثار سلبية على السيكولوجيا العامة، التي حكمت مجموعاتهم البشرية في علاقتهم المتبادلة، وما تركته من أثر سلبي مباشر أو غير مباشر على قدرات التفكير والميول والاتجاهات والرغبات لدى أفرادهم، في كينونتهم الشخصية وانعكاس أثرها على بناء شخصياتهم بناء غير متوازن في طرق اندماجهم مع المجتمع وتفاعلهم معه، مع أن الاندماج الاجتماعي بشرائطه الموضوعية هو الأساس في أي بناء سوي للشخصية الإنسانية، وهذه الأساليب غير السوية في التربية والتوجيه والتثقيف التي رافقت الإنسان الغربي أزمانا طويلة، هي التي سلبت منه حرية التفكير والرأي وحقّ الحركة والنشاط بالحرية المطلوبة، وهو الحق الذي تحكمه قواعد الضبط المتوازن الذي تتيحه نظريات التعلّم الفعالة.
هو التوجيه السوي الذي يتوافق، مع الطبيعة التركيبية لجينومية الإنسان بشكل عامّ، وتنزع به إلى التحرُّر من الوصاية والقيود التربوية والسياسية والاجتماعية القاهرة لطبيعته البشرية، بالحيوية التي تستلزمها الدينامية المحرِّكة للحياة الآدمية، فهذه الأساليب الناضجة في التعامل مع الإنسان، ككائن ذكيٍّ ومفكّر ومبدع وتوّاق للحرية والنشاط والابتكار، وتراعي هذه الطبيعة التي خلقها الله تعالى وميّزها عن جميع ما خلقه في الأرض، هي ما يُنَمِّي في نفسه الشعور بالكينونة الإنسانية، وتنزع من دواخله الإحساس بالغبن والظلم، وتحرره من القيود السياسية والاجتماعية الضاغطة على حريته وتفكيره ونشاطه واتجاهاته وإبداعاته، فحينما يشعر الإنسان بهذا الانعتاق يندفع في اتجاه الأفق المشرق، ليبصم عليه من ومضات إشراق فكره لمسة من لمسات ابداعاته المبتكرة كإشعاع يضيء به الدروب المظلمة، التي زاد من حُلْكة ظلمتها الأنماط القديمة التي كرستها في المخيال الإنساني، الوصايةُ الفوقية المتسلطة عليه بالقهر والإذلال بالوسائط المباشرة أو غير المباشرة.
وهذا ما أدركه الإنسان الغربي حينما خرج من شرنقة التخلُّف والانغلاق على نفسه، التي فرضها عليه الإقطاع والنبالة ووصاية الكنيسة القهرية والحكم الملكي المطلق، وهي الظروف القاسية التي فرضها رجال الدين المتزمِّتون، بمشاركة رجال القصر الملكي المتسلطين لبسط نفوذهم، وسيطرتهم على الحياة العامة في مجتمعاتهم، وإشباع هواياتهم السادية في التلذذ بشقاء البؤساء والمعدمين، ورغباتهم في جمع المال وتكديسه في خزائنهم، للاستمتاع بالملذات وطيبات المأكل والمشرب حينما يخلون إلى أنفسهم في قصورهم ومنتجعاتهم والأماكن المخفية عن الناس، وكان لابدَّ لهذه الحياة القاسية التي طال ليلها، أن تجد طريقة ما لإزالتها من قاموس حياتهم الفردية والاجتماعية، وأن يستعاض عنها بديناميكية جديدة، من الحياة الطليقة بالحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، بين المواطنين في البلد الواحد وتحت رعاية الدولة الواحدة.

كان لثورات الربيع الأوروبي التي وقعت في البلدان الأوروبية عام 1848، أثرٌ كبير على بروز أفكار جديدة ترجمتها الجموع الثورية في مطالبها السياسية والدينية والاجتماعية، التفّت حول زعمائها ضمن هذه الجموع الثورية، الطبقاتُ المتوسطة والفلاحون والكادحون والمعدمون والمسحوقون، فشكلوا حركة مجنونة من الاضطرابات السياسية في كل البلدان الأوربية، واعتبرها المؤرخون المعاصرون أكثر الموجات الثورية التي قامت في تاريخ القارة الأوربية الحديث، بعد الثورة الفرنسية التي غيرت معالم التفكير السياسي في أوروبا كلها.

ومن طبيعة الحياة البشرية المعروفة بالحيوية في التغيير وتطوُّر الحركة فيها، حين يسود الظلم وينتشر الفساد بين الناس، أن يقيّض الله كوكبة من الرواد الإصلاحيين، يأتون على فترات من الزمن، ليحرروا الناس من الغبن والقهر والمظالم والمناكر والحياة الراكدة، لأنهم يحملون في جيناتهم نوازع الفكر الثوري، وهو الفكر الذي يغيّر الأفكار والاتجاهات والرغبات والنظم والقواعد والقوانين، ولذلك ظهر عندهم جيلٌ من الإصلاحيين الدينيين والاجتماعيين والسياسيين والتربويين والنفسانيين، وأعلنوا أفكارهم الثورية على أقليات الألغارشيا من متنفذي الحكم والدين والمال والثروة والنبالة والبرجوازية والأرستقراطية، فطرحوا أفكارا ثورية في السياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية والنفس، تتعارض –تماما- مع ما ألفوه من أنماط في التفكير، والأخلاق والسلوك والقداسة لكل ما هو مقدس، من دين وأخلاق وعادات وتقاليد وأعراف وتشريعات وقوانين وفردانية في الحكم والسياسة، وتوجيه مُعلّب لحياة الأفراد والجماعات نحو ما يخدم الطبقات الأرستقراطية الطاغية في بلدانهم، على حساب الحريات الفردية والاجتماعية، وحقوق الكادحين من العمال والفلاحين والمسحوقين والمعدمين، الذين عاشوا حياة القيظ المالي والمعيشي.
وقد تساوقت هذه الإصلاحات بكل أنساقها ونظمها، مع أهداف الإصلاحات التي قادها الثوريون عبر ثوراتهم الإصلاحية، والنقطة الجوهرية في إصلاحاتهم انطلقت من النسق السياسي بوصفه النسق الذي تنضوي تحته كل النظم والأنساق، وبإصلاح النسق السياسي يصلح رجال السياسة، وإذا صلح رجال السياسة يحسن اختيار الأكفأ منهم والأقوم والأجدر، وفق المعايير التي وضعها الثوريون يصلح كل شيء، لأن رجال الحكم حينما تستقيم فطرتهم بسبب كفايتهم ونبوغهم يلتزمون بالقانون وأخلاق الدولة، وحينها يستقيم كل شيء في الحياة، لأنهم يملكون الشرعية والمشروعية في تطبيق القانون بصرامته المعهودة، وتطبيق القانون بالصرامة المطلوبة من غير تراخٍ ولا محاباةٍ أو مجاملة، هو الذي يجعل مؤسسات الدولة تؤدي وظائفها بالمعايير المتوخاة، ولا تختلُّ نظم التسيير والرقابة والجزاء، وحينها تتساوق الأمور وتجري في أعنَّتها وفق ما يقتضيه السير الطبيعي للحياة.
والحياة القاسية التي عاشها الإنسان الغربي في نظام الإقطاع والقنانة، هي التي أيقظت فيه شعور اليقظة للقيام بحركاته الإصلاحية، وقد ترافقت في فترات متقاربة، لذلك كان الإصلاح شاملا وكاملا ومجديا، فقد رافق الإصلاحاتِ السياسية الإصلاحاتُ التربوية والنفسية التي نادى بها الثوريون في بداية القرن العشرين، ما بين 1895و1912، حين تأسست آخر مدرسة في علم النفس، وهي المدرسة السلوكية التي سيطرت بأفكارها الثورية على المناهج الدراسية، وطرق التدريس وتصنيف الأهداف ونظم التقويم، وفلسفة التعليمية العامة والخاصة بما كان يُسمى إلى وقت قريب طرق التدريس العامة والخاصة.
وكان لثورات الربيع الأوروبي التي وقعت في البلدان الأوروبية عام 1848، أثرٌ كبير على بروز أفكار جديدة ترجمتها الجموع الثورية في مطالبها السياسية والدينية والاجتماعية، التفّت حول زعمائها ضمن هذه الجموع الثورية، الطبقاتُ المتوسطة والفلاحون والكادحون والمعدمون والمسحوقون، فشكلوا حركة مجنونة من الاضطرابات السياسية في كل البلدان الأوربية، واعتبرها المؤرخون المعاصرون أكثر الموجات الثورية التي قامت في تاريخ القارة الأوربية الحديث، بعد الثورة الفرنسية التي غيرت معالم التفكير السياسي في أوروبا كلها، وكانت تحمل في جوهرها مطالب الحرية والديمقراطية.
وكان من بين العوامل الرئيسية التي ساهمت في انتشار تلك الموجة، هو الشعور العامّ بعدم الرضا على القيادة السياسية، والمطالبة بزيادة المشاركة في الحكومة والديمقراطية، وحرية الرأي والصحافة، بالإضافة إلى مطالب الطبقة العاملة وتنامي النزعة القومية في الشعور الجمعي، وكانت القوى المستفيدة من السياسيين والإقطاعيين والبرجوازيين، يتصدُّون بكل قوة وحزم لهذه الموجات الإصلاحية، وطرح المفكرون الإصلاحيون أفكار الليبرالية والديمقراطية واستبدال النظم الملكية، بنُظم جمهورية تحكمها الانتخابات والحرية في الاختيار والتصويت،
وكانت الديمقراطية تعني في ذلك الوقت مجرد حق التصويت للجميع، وتعني القومية توحيد المواطنين تحت سلطة سياسية واحدة، وتقييد السلطة المطلقة للكنيسة والدولة، فلا تتسلط على الناس وتقهرهم باسم القداسة الكنسية والسيادة المطلقة للدولة، ومن هنا بدأ الإنسان الغربي يتحرر شيئا فشيئا إلى أن تحرر كلّيا من جميع أشكال القيود، التي فُرضت عليه قرونا من الزمن، سواء أكانت القيود دينية أو أخلاقية أو سياسية أو اجتماعية محافِظة، وأصبح منذ ذلك التاريخ حرًّا في تفكيره واتجاهاته ورغباته وسلوكياته، حتى أصبح اليوم متحللا كليا من القيود التي تعيق تفكيره وحركته، وأصبحت حياته شبيهة بحياة البهائم، فانتشر عندهم الفسوق والفجور والمروق والعري والزنى واللواط والسحاق والخيانات الزوجة، والتمرد على المقدس فجعلوه مدنَّسا، ولم تبق حرمة لرئيس ولا ملك ولا دولة ولا نبيّ ولا رسول ولا دين ولا أخلاق، وجعلوا ذلك في قوانين دولهم، وهذا ما يريده مركز (تكوين) المؤسَّس مؤخرا في مصر، برعايةٍ رسمية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!