تعدد الألسن مكسب ثقافي للجزائريين ولا عيب في كتابتي باللغة الفرنسية
لا يعرفها سوى من اقترب منها وقلبت أنامله صفحات كتبها، تتفرس ملامحها فتشدك ضحكتها السخية، وتسبر أغوار روحها فتختصر طريقها بكفها الندية، انبجست أحاسيسها وهي طفلة صغيرة، تعايشت في مدرستها مع قصة البؤساء، فحملت يداها قلما وورقة وراحت تكتب عنهم، حتى شب قلبها وعقلها على حمل هموم المجتمع والأمة بأسرها، فهاجرت بفكرها وقلمها إلى أعماق النفوس البائسة اليائسة، وحاولت أن توقد من جديد جذوة أمل خبا لديهم، فكان آخر ما أبدعته كتابا باللغة الفرنسية تحت عنوان “أيها الشباب لا تهاجر” “” Jeunesse n’en va pas .هي الكاتبة والشاعرة يمينة روباش روابحية المعروفة باسم جنينة التقتها جواهر الشروق وأجرت معها الحوار التالي:
بدأت مسيرتك الأدبية باسم مستعار هو جنينة من هي الأديبة جنينة؟
جنينة هي سيدة متزوجة وأم لأربعة أطفال، وقبل ذلك أنا امرأة بسيطة من عمق المجتمع الجزائري، آمنت بمشروعية الحلم، ووثقت بموهبتي وقدراتي على العطاء طالما المورد هو القلب، عشقت القلم منذ الصغر، فبدأت أخط خربشاتي لنفسي وأملأ بياض صفحاتي بكل ما يجيش في صدري، وأهم ما كان يميزني عن أترابي هو إحساسي المرهف، حيث كنت أتأثر بكل موقف أعايشه حزينا كان أو سعيدا فأهرع إلى قلمي وأوراقي لأترجمه حروفا نابعة من أعماق القلب .
جنينة اسم يحمل الكثير من الإيحاءات هل كان اختيارا عفويا أم هناك سبب معين لاختيارك لهذا الإسم بالذات؟
جنينة اسم يعني لي الكثير، هذا الإسم سمّاني به والدي رحمه الله عندما كنت طفلة، لأنني كنت مفعمة بالحيوية والنشاط، وكان يرى فيَّ كل معاني الحياة، كالأرض الخصبة، أو كالبستان الذي يجمع معاني الجمال والعطاء، ولأنه كان يتوسم فيّ الكثير من الخير أطلق علي اسم جنينة بمعنى البستان .
لماذا اخترت اللغة الفرنسية للانطلاقة في مسيرتك الأدبية رغم أنك عايشت موجة التعريب في بلادنا؟
كنت متأثرة كثيرا بالعائلة خاصة والدي لأنه وإخوتي كانوا يتقنون كثيرا اللغة الفرنسية، ورغم أنني أكتب باللغتين الفرنسية والعربية، إلا أنني آثرت الانطلاق بالفرنسية، لأن الجيل في ذلك الزمن غالبا كان يقرأ بالفرنسية لكنني أيضا قدمت العديد من الأعمال باللغة العربية .
لكن البعض يعتبر الكتابة باللغة الفرنسية على حساب اللغة العربية تنكرا لهذه الأخيرة، وبالمقابل ولاء وحبا للغة الفرنسية ما تعليقك على هذا؟
بالعكس تعدد الألسنة في بلادنا مكسب ثقافي لنا كشعب، وكتابتي باللغة الفرنسية هي أعظم خدمة يمكن أن أقدمها للثقافة الجزائرية، فأعمالي باللغة الفرنسية عليها إقبال كبير والحمد لله، خاصة لدى الجالية المقيمة بالخارج، وحتى الفرنسيين فهم يتعرفون على المجتمع الجزائري وعاداته وتقاليده وانشغالاته من خلالها، وهي أسرع للوصول إليهم من الأعمال المترجمة، وكإضافة صغيرة ولو كنت أجيد اللغات الأخرى لكتبت بها أيضا.
في أي سنة بالذات خرجت أعمالك للنور؟
في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات كنت أرسلت مجموعة من القصائد لوزارة الثقافة، ولم أتلق أي رد، فقمت بإرسالها إلى المفكرة العالمية الفرنسية التي قبلت أعمالي واعترفت بي كأديبة، ونشرت لي أول ديوان تحت عنوان دموع في عيون ضاحكة des larmes dans les yeux rieurs وكان ذلك سنة 1982، وبعدها تم نشر بعض أعمالي من طرف مديرية التربية بقسنطينة سنة 1984.
وفي عهد الوزيرة خليدة تومي وبالضبط سنة 2004 ، عاودت الاتصال بوزارة الثقافة فطلب مني إرسال أعمالي وبقيت أنتظر نشرها لكنني لم أجد أية نتيجة فقمت بالاتصال مرة أخرى، فاعتذروا مني وطلبوا مني إعادة إرسالها، وكان أول مولود جديد يصدر لي من طرف وزارة الثقافة هو هذا الديوان بعنوان “أيها الشباب لا ترحل”.
بعد سنوات عجاف ها أنت تعودين بديوان شعري جميل هل لنا أن نعرف سبب الانقطاع؟
أولا اسمحي لي أن أصحح لك أمرا؛ سنوات انقطاعي عن المحافل الأدبية الجهوية والوطنية وحتى العربية، لم تكن عجافا، فكما قلت لك أنا لا استطيع فراق القلم فهو أنيسي الدائم، بل كنت دائمة الكتابة أكتب لنفسي، لأسرتي، لأصدقائي، المهم أنني لم أتوقف عن الكتابة، والدليل أن هذا الكتاب الذي تم اصداره مؤخرا هو مجموعة قصائد كتبتها في فترة انقطاعي عن الظهور والمشاركات في المسابقات والتظاهرات الأدبية المختلفة.
بخصوص سبب الانقطاع كانت ظروف عائلية بحتة أجبرتني على الالتفات لعائلتي، وتكريس وقتي لآداء واجبي الأسري.
أبن العجوز عنوان غريب لإحدى القصائد التي تخاطبين فيها ابنتك ما سر هذا العنوان؟
ابن العجوز فعلا هو ابن العجوز هو أبلغ تعبير يمكن أن أصفه به، هو اسم خاص مزدوج الدلالة لديواني الذي صدرا مؤخرا من طرف وزارة الثقافة، سميته ابن العجوز لأنني انتظرته سنوات من 2004 إلى غاية 2014 حتى كدت أنسى أمره كما تنسى العجوز أمر الإنجاب وإن حدث وأنجبت سيكون ابنها معجزة وهكذا هو حالي مع هذا الكتاب، ومن جهة أخرى هو فعلا لم يصدر حتى طرقت أبواب الشيخوخة.
أيها الشباب لا ترحل عنوان جذّاب جدا حديثينا عن مضمونه؟
Jeunesse n’en va pas نعم هي صرخة صادقة، ونداء إلى شباب الجزائر بصفة خاصة، وشباب الأمة بصفة عامة، بصرف النظر عن فكرة الهجرة خارج الأوطان، فديواني هو مجموعة من القصائد كان فيها لأبنائي ووالدي نصيب من الخطاب، كما تناولت مواضيع شتى عن الأمل عن السعادة، عن الحزن، وتناولت بإسهاب ظاهرة الهجرة وسلبية التفكير بها، تحدثت عن هموم الشباب حاولت اختصار تلك الهوة التي يشعر بها الشباب اليائس بينه وبين سلطته، من خلال رسالة إنسانية واسعة المدلول، لأنني تحدثت عن الفراغ الروحي الذي يعاني منه، والذي يعتبر أكبر آفة فتاكة، وهي سبب اليأس وسبب المجازفة في قوارب الموت من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى. لذا حاولت توجيه الشباب إلى التفكير بايجابية حاولت زرع الأمل في نفسه من خلال الإيمان أولا بقضائه وقدره، وثانيا الإيمان بنفسه وقدرته على التدارك والإفادة وخدمة مجتمعه، لأن مشكلة شبابنا اليوم أنهم لم يجدوا من يعيد لهم الثقة بأنفسهم بعد أن فقدوها، بل أكاد أجزم أن كل العبارات التي يتلقونها يوميا بداية من البيت إلى الشارع وحتى مراكز العلم، هي عبارات تزرع في أنفسهم الإحباط واليأس، من قبيل نحن أمة ضعيفة، نحن لا نستطيع اللحاق بالركب، البلاد لن تقدم لك شيئا، وهذا ما يجعلهم يقدمون على المغامرة والهجرة جاهلين أو متجاهلين المصير الذي يمكن أن يصادفهم هناك.
على ذكر مراكز العلم أنت قبل أن تكوني أديبة وشاعرة، كنت معلمة ومربية أجيال ما تقييمك لأجيال اليوم من ناحية إقبالها على العلم والثقافة وتأثرها بالكلمة؟
نحن اليوم أمام معضلة تراجع قيمة العلم بسبب طغيان النظرة المادية، نحن في زمننا كنا نحب العلم من أجل قيمته في حد ذاته أما أجيال اليوم فنظرتهم تطغى عليها الماديات، فلا عجب أن تسمعي عبارة ماذا فعل بها المتعلمون من تلميذ صغير، والسبب طبعا يعود إلى عدم وجود جهود صادقة لإعادة قيمة العلم، أولها إعادة النظر في مناهج تقديم العلم، وإعادة قيمة المتعلم والمثقف والإنصاف في توزيع الألقاب وتقليد المناصب والتشغيل على أساس الكفاءات لنكون أمة اقرا عن جدارة واستحقاق .
لمست من خلال حديثك أن لك روح قومية عالية ما فتئت تذكرين الأمة هموم الأمة، ما تقييمك كمثقفة لمدى وعينا أمام موجة الأحداث المتسارعة في السنوات الأخيرة؟
طبعا لست أجامل إن قلت نحن أمة عريقة، أعزنا الله بالإسلام وطالما تشرفنا بانتسابنا إلى هذا الدين العظيم، لكن بصراحة يبقى السؤال المطروح هل تشرف بنا الإسلام؟ هل نحن خير أمة أخرجت للناس؟ طبعا دون تحفظ لسنا كذلك، دعيني أقول لك أن الحادثة الأخيرة، أقصد حادثة صحيفة شارلي إيبيدو أكدت مراهقتنا الفكرية، وكشفت عن مدى تغليبنا للعاطفة على حساب العقل في التعامل مع مختلف القضايا، لأننا منحنا الفرصة لصحيفة مغمورة بالظهور وجعلنا عالم الغرب كله ومعه العرب يتعاطفون معها، لغة الدم والعنف لا تعكس أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وعن هذا الموقف يمكنك قياس الكثير من الأمور الأخرى، ما ينقصنا هو الاتحاد والتعقل والتفكير بروح الكتلة وهذه القوة الحقيقية التي ننصر به ديننا.
نعود إلى مجال الأدب والتأليف هل من أعمال جديدة قيد التحضير؟
نعم بإذن الله أنا اكتب رواية جديدة باللغة العربية تحت عنوان “ودارت عليّ الأيام” كما أنهيت بعض المسرحيات الخاصة بالأطفال وأنا أنوي نشرها قريبا بحول الله.
هل لنا أن نعرف ما تحمله صفحات الرواية الجديدة؟
طبعا الافكار لا تزال خام مبعثرة هي عموما تروي سيرتي الذاتية بأسلوب مختلف نوعا ما اعتمدت فيها على الحوار كثيرا وعموما لن أطيل الحديث عنها لأنها قابلة للتعديلات، فالأفضل نتركها مفاجأة للقارئ.
كلمة ختامية توجهينها للشباب كونه المعول عليه لمستقبل هذا الوطن؟
إياك واليأس، دع الأمل دائما شعارك، تسلح بالعلم وثق أن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا تنس أن الجزائر هي وطننا الوحيد لا وطن لدينا سواها.