-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تعرية العاهة الفكرية للإستعمار

حبيب راشدين
  • 4627
  • 10
تعرية العاهة الفكرية للإستعمار
ح. م

إذا كان الجزائريون، وبقية شعوب المستعمرات الفرنسية سابقا، يمنون النفس باليوم الذي تتحرر فيه النخب الفرنسية من عقدها الإستعمارية، وتعتذر عن جرائم الحقبة الإستعمارية، فإن واحدا من أبرز المرشحين للرئاسيات الفرنسية القادمة قد يطالب شعوب المستعمرات الفرنسية بالتعويض عن الإرث الثقافي الذي اقتسمه معها المحتل بسخاء.

هذا على الأقل ما يفهم من تصريح السيد فيون، وهو أقل زعماء اليمين تطرفا، وربما يكون مؤمنا بما يقول حين قال: “إن الهدف الأول للإستعمار كان مشاطرة الشعوب المستعمرة ثقافة المستعمر” وأنه لا سبيل إلى زرع مشاعر الخزي والعار في نفوس الفرنسيين حيال الإرث الإستعماري.

حتى جان ماري لوبين، وابنته من بعده، لم يهتديا إلى هكذا تعريف سخي، كافي، شافي للإستعمار، ولعل فرانسوا فيون الوافد من العائلة الديغولية، يكون قد عبّر بالأصالة والوكالة عن الرأي السائد بين الساسة الفرنسيين من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومعهم النخبة الفرنسية المثقفة التي قد تحتاج إلى ألف سنة من التيه الفكري حتى يولد جيل من الفرنسيين، وقد تطهرت جيناته من العاهات الفكرية الإستعمارية، ليتعذر بالوكالة عن جرائم القتلة من أسلافه: من بيجو وحتى جاك سوستيل، ماسو، وبيجار.

ومن جهتنا نحتاج إلى ميلاد جيل قابل للتحرر أخيرا من عاهة “القابلية للإستعمار” قادر على مواجهة النخبة التي زعمت مع كاتب ياسين أن “الفرنسية غنيمة حرب” قبل أن تحولها مدرسة بن غبريط إلى عقيدة بيداغوجية، وإلا كيف نصدق ما يصدر عن ساستنا حيال واجب انتزاع الاعتراف الفرنسي بجرائم الحقبة الاستعمارية، في الوقت الذي تسخر فيه أموال الجزائر المستقلة لتمويل مشروع تعميم ثقافة ولسان المستعمر بكفاءة لم تتوفر لإدارة المحتل خلال قرن وثلث القرن، وجعلت من الجزائر البلد الفرنكفوني الأول.

فمن مستحقات هذا الإرث الثقافي، يفترض أن نسلم مع السيد فيون، أن نزول بقايا جيش نابليون بشاطئ سيدي فرج تحت راية شارل العاشر كان مثقلا بوعد قسمة “حضارة الموت” التي أنتجتها الثورة الفرنسية مع دانتي، سان جوست، مارا وإخوانهم، وأن محرقة الضهرة كانت محض تصبيرة عن الوجبات الثقافية الدسمة التي سوف يقدمها المستعمر على امتداد قرن وثلث القرن، انتهت بوجبة نووية في رغان.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد ذكرتنا صورة تلك المسلمة المرتدية للبوركيني، وهي مستلقية على أحد الشواطئ الفرنسية قبل أن تجبرها شرطة الشواطئ على نزع لباسها، بحجة أنه “مخل للحياء، مستفز للثقافة العلمانية” يذكرنا بمشهد مماثل لـ “تعرية” المرأة المسلمة كفعل حضاري، أدارته زوجة جاك سوستيل أمام قصر الحكومة، أجبرت خلاله بعض الجزائريات على نزع الحايك وحرقه أمام الملأ من المعمرين والمعمرات، ولعل السيد فيون يحتاج لمن يذكره، بأن من نفذ عمليات تفجير مقاهي وملاهي المعمرين هن الجزائريات اللائي نزعن كرها برقع الحايك من أجل اختراق الحواجز الثقافية، والتسلل إلى محميات مجتمع المعمرين، وأن “داعش” من الذكور والإناث، إنما ولدت من رحم “التعرية” الجماعية بمعتقل أبو غريب، وأنه يحتاج إلى إعادة قراءة التحليل الرائع الذي أنجزه فرانس فانون لعقدة “تعرية” المرأة المسلمة في ثقافة المحتل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
10
  • ابو صفوان

    السلام عليكم ورحمة الله،
    اولا شكرا على المقال الذي نشرتموه واضيف فأقول
    ماذا يفيدنا لو سلمنا جدلا بان تعترف فرنسا بكل جرائمها في الجزائر وما حدث بعد ذهاب فرنسا ومنذ اكثر من خمسين سنة والشعب الجزائري ما زال يعاني البؤس والحرمان تحت حكومات غير شرعية سواءا بالمفهومين الديني او القانوني الوضعي. لقد حاولت اليابان ان تعتذر عن جرائمها في حق الشعب الصيني ولكن حكومة الصين الشعبية رفضت ذلك ورفضت حتى التعويض الذي اقترحته اليابان بسبب جرائمه البشعة اثناء احتلاله لجزء من الاراضي الصينية. لو كان حكامنا...

  • سليم سليم

    عندما تنعدم مظاهر القابلية للاستعمار كما ذكرت من شخصياتنا وتطبع كتب مالك بن نبي بمطابع بلاده وتجد قلوبا واعية هنالك ستنقى جيناتنا و جيناتهم

  • الهادي

    وما زال السؤال مطروحا بل اكثر الحاحا اد كيف اصبح المحتل ياخد كل شيء ويمعن في ادلالنا اكثر كانه(حاكم علينا السما) وهدا في عهد الدين سطوا على السلطة باسم الشرعية الثورية ان هده الاسئلة نطرح نفسها يوميا وبصفة صارخة مع هدا الانبطاح والتسليم والنكوص اليس كدلك ليس هناك نصف حقيقة بل هناك الحقيقة او الكدب

  • محمد

    برافو .. عفوا .. شكرا .. مقال ثوري تاريخي وطني

  • almanzor

    لن تعترف فرنسا و لن تعتذر عن جرائمها، فهم يعرفون جيدًا مدى أهمية التاريخ في صناعة انتماء الفرد ووطنيته و شعوره بمسؤوليته تجاه وطنه و تفانيه في خدمته، و سيظلون فخورين بتاريخم على ما فيه من جرائم و إبادات جماعية و محو لثقافات و حضارات المستعمَرات وغير ذلك، و هذا طبيعي فالتاريخ يصنع الحاضر و المستقبل.
    و لكن ما يؤسف حقا هو خجلنا نحن بتاريخنا وتصور البعض من شبابنا و حتى ساستنا أن استقلالنا عن فرنسا كان "خطأ" ممّا جعلهم يلقون بأنفسهم في أحضان المستعمر القديم متسولين منه لغته و ثقافته.

  • حمورابي بوسعادة

    يا سي حبيب راشدين ، هل رأيت مجرما يعترف بجرائمه ؟ وهل يقر بالجرم أولاده وأحفاده ؟ إلا في حالة واحدة لما يوضع في زاوية مغلقة وهذا بعيد عن الضحايا الجزائريين خاصة في الوقت الراهن بسبب عاهة الاستعمار الفرنسي في الجزائر -أثناء الثورة أراد دوغول التفاوض مع الجزائريين ولكن مستشاره وصديقه قال له: تمهل سيتم هذا وما تريد بعد أن نربط العلاقة ونشبكها مع الجزائر والا سنفوز بهزيمة تكون عارا علي فرنسا -إذن لقد أهدي نظرية القابلية للاستعمار ما ستستند اليه ؟ أقلها تجذير الفرنسية في المجتمع الجزائري ومسخ الشخصية

  • الطيب

    و الآن حان الوقت لإعادة المياه إلى مجاريها بترسيخ فكرة " الاستعمار حضارة و ثقافة " و فرنسا و الجزائر كتلة واحدة و يجب أن يعمل الجميع على تجسيد هذه الأفكار الإصلاحية من أجل الانطلاق و الإقلاع نحو المستقبل طبعًا بلغة الحضارة " الفرنسية و يمكن بالتفاهم إدراج الإنجليزية أيضًا " ، و بإخلاص للعلمانية و بعيدًا عن الفكري الديني المتعصب و العسكري المتخلف الذي وتّر العلاقة بين أهل الحضارة و السكان في تلك الفترات السابقة من تاريخنا المشترك!!

  • الطيب

    هذا المخلوق المتأخر يريد تغطية العاهة الفكرية للاستعمار ، يريد " الإصلاح !؟ " للفكرة الاستعمارية يعني إصلاح نظرة الناس للاستعمار ( المقصود بالناس الشعب الجزائري و بالأخص جزء من الفرنسيين الذين يستحون من ماضيهم ) !؟ فالاستعمار حضارة و ما حدث بين 1830 و 1962 من أحداث هو بسبب سوء فهم و سوء تفاهم فقط بين حاملي الحضارة و سكان المقاطعة !؟ كما أنّ هناك إشكالية : لماذا هؤلاء السكان تقبلوا حضارة العرب قبل قرون و رفضوا حضارتنا !!؟؟ .....يتبع

  • عمر الورداني

    الاستعمار معروف و لم يتغير و العلاقة بين البلدان هي صراع و كل بلد في العالم يسعى إلى التوسع عسكريا أو ثقافيا, اقتصاديا, لغويا, مصرفبا, و البلدان غير القادرة على ذلك بسبب تخلفها ما عليها إلا بالتنديد و الإستنكار أو الرفع من تطورها و قدراتها العلمية و الإقتصادية و العسكرية و الابتكار في كل المجالات كي تفرض مكانا بين الأقوياء و عليها قبل ذلك أن تتساءل كيف لحثالة أوروبا أن اساطاعة احتلال بلداننا لأكثر من قرن و ما هي مسؤولياتنا في ذلك و ما سبب عجزنا عن حماية بلداننا آنذاك

  • nostradamus

    نعيب الزمان والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا
    ياو فاقو رانا ف 2016, فرنسا عندها 50 كي خرجت
    الله غالب, حنا الامازيغ و العرب ما قدرناش نخلق ثقافة حياة خاصة بينا, و لينا نحكيو على الاستعمار و المشرق العربي و ماسينيسا, رانا ف 2016