تعقيدات الخرف وتداخل الأدوية تهدد المسنين بالجزائر
باتت فئة كبار السن تعيش لفترات أطول في ظل التقدم الطبي وارتفاع متوسط الأعمار، حيث تجاوز 10،5 بالمائة من الجزائريين سن الستين، وهو ما يقارب 5 ملايين شخص، من بينهم أكثر من 2 مليون تجاوزوا سن السبعين، لكنهم في مقابل ذلك يواجهون تحديات صحية معقدة، من أبرزها الخرف وتعدد الأدوية.
وفي هذا السياق، أكد أطباء مختصون، خلال يوم إعلامي وتحسيسي حول التكفل بالشيخوخة، نظمه المعهد الوطني للصحة العمومية، نهاية الأسبوع المنصرم، أن العلاجات تهدف إلى تحسين جودة الحياة، لكن كثرة الأدوية تحولت إلى عامل يهدد تدهور الحالة الذهنية للمسن بدلا من تحسينها.
وقال هؤلاء، إن الخرف أصبح مرضا يتسلل ببطء، وهو ليس مرضا واحدا، بل هو مجموعة من الاضطرابات التي تؤثر على الذاكرة والتفكير والسلوك إذ يعد مرض الزهايمر الأكثر شيوعا، حيث يشكل نسبة كبيرة من الحالات، تبدأ الأعراض عادة بنسيان بسيط، لكنها قد تتطور إلى فقدان القدرة، بحسبهم، على أداء المهام اليومية.
البروفسور محمد الأمين: نصف المسنين يعيشون على تعدد الأدوية
وأفاد البروفيسور محمد الأمين بن شريف الطبيب الرئيسي بمصلحة الطب العقلي الشرعي بمستشفى “فرانس فانون” بالبليدة، بأن الخرف يصيب حوالي 6 بالمائة من هم فوق 60 سنة، ويصل إلى 15 بالمائة بعد 80 سنة، موضحا أن الكثير من كبار السن في الجزائر يعانون من أمراض مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب، ما يفرض عليهم تناول عدة أدوية يوميا، إذ تعرف هذه الحالة بـ”تعدد الأدوية”، التي قد تكون ضرورية، لكنها تحمل مخاطر حقيقية، خاصة عندما لا تدار بشكل دقيق.
نحو 49 بالمائة من المسنين في الجزائر يتناولون أدوية بانتظام
وقال في هذا الصدد، إن كبار السن يواجهون إشكالية مزدوجة في استعمال الأدوية، إذ يتناول حوالي 48.3 بالمائة منهم أدوية بانتظام، مع انتشار تعدد الأدوية لدى ما يقارب نصف هؤلاء، في حين يصرح، بحسبه، 43.9بالمائة من المسنين في الجزائر بصعوبات في الحصول على العلاج.وأوضح أن بعض الأدوية قد تؤثر سلبا على وظائف الدماغ، مثل المهدئات أو الأدوية ذات التأثير المضاد لـ”الكولين”، الذي هو عنصر غذائي أساسي ومركب عضوي يشبه فيتامينات المجموعة “باء”، ما قد تزيد من الارتباك أو النسيان، كما أن التداخلات الدوائية التي يمكن أن تؤدي إلى آثار جانبية غير متوقعة، قد تفسر خطأ على أنها تطور طبيعي للخرف، مضيفا أن بعض حالات هؤلاء المرضى، تؤدي إلى ظهور أعراض مثل القلق أو الأرق، فيصف لهم الأطباء أدوية إضافية، لكن ذلك يزيد الأمر تعقيدا، ويهدد الصحة العقلية للمريض.
البروفيسور بوعمرة: 55 بالمائة من المسنات يعانين من ضغط الدم
ودعا البروفيسور محمد الأمين بن شريف، إلى ضرورة التعاون بين الأطباء والممرضين وأفراد الأسرة، في تحديد الأدوية وتناسبها مع بعض الأعراض، وتفادي تداخل بعضها، مع مراجعة قائمة الأدوية بشكل دوري، والتأكد من أن كل دواء لا يزال ضروريا، كما نصح باستخدام أقل جرعة فعالة، وتجنب الأدوية غير الضرورية.
وقال إن على بعض المرضى المسنين التقليل أو التوقف عن تناول بعض الأدوية دون إشراف طبي، مع تعزيز الوعي لديهم ولدى أسرهم حول مخاطر التداخلات الدوائية، واستخدام بدائل غير دوائية عند الإمكان، مثل العلاج السلوكي أو النشاط البدني.
ويرى ذات المتحدث، أن الخرف وكثرة الأدوية أصبحا يشكلان تحديا مزدوجا لكبار السن، فرغم عدم تجنب الأمراض في بعض الأحيان، إلا أنه يمكن تحسين إدارة العلاج لتقليل المخاطر، فالعلاج الناجح، بحسبه، لا يقاس بعدد الأدوية، بل بمدى تحسينه لحياة المريض، دون أن يثقل كاهله بأعباء إضافية.
55 بالمائة من المسنات الجزائريات مصابات بالضغط الدموي
وبلغة الأرقام، أكد البروفيسور عبد الرزاق بوعمرة، المدير العام للمعهد الوطني للصحة العمومية، في اليوم الإعلامي والتحسيسي حول التكفل بالشيخوخة، أن فئة كبار السن في الجزائر تعاني من عبء صحي ثقيل، إذ يقدر انتشار ارتفاع ضغط لدم بحوالي 50 بالمائة، مع معدل أعلى لدى النساء 55 بالمائة، كما يشكل داء السكري من النوع الثاني تحديا آخر، حيث يصيب نحو 18 بالمائة من كبار السن، مع ضعف في التحكم عند حوالي 70بالمائة من المرضى، ما يزيد خطر المضاعفات مثل أمراض الكلى والاعتلال العصبي.
كما تبرز، بحسب البروفسور بوعمرة، أمراض أخرى ذات تأثير كبير وسط فئة كبار السن، كالكسور خاصة كسور عنق الفخذ التي تُسجل الجزائر منها، حوالي 40 حالة يوميا، وهي خطيرة على كبار السن، لأنها كثيرا ما تؤدي إلى مضاعفات وإلى الوفاة، داء الانسداد الرئوي المزمن الذي يمس نحو 12 بالمائة هؤلاء.
وإضافة إلى هذه الأمراض، هناك مشاكل البصر، حيث تصيب المياه البيضاء حوالي 50 بالمائة من المصابين بها بالعمى، وإلى جانب التنكس البقعي المرتبط بالعمر، الذي يصيب نحو 10 بالمائة من المصابين بضعف البصر، فهذه هذه المؤشرات، بحسب الأطباء المشاركين في اليوم التحسيسي، تعكس ارتفاعا كبيرا في عبء الأمراض المزمنة لدى كبار السن، خاصة في غياب مصالح ووحدات متخصصة في التكفل بطب الشيخوخة في الجزائر، ما يستدعي تعزيز الوقاية، والكشف المبكر، وتحسين التكفل الصحي لضمان جودة حياة أفضل لهذه الفئة.
وأكد مدير معهد الصحة العمومية، البروفيسور عبد الرزاق بوعمرة، على أن الاستثمار في صحة المسن هو استثمار في استقرار المجتمع، ويتطلب ذلك تعزيز الوعي الصحي حول هذه المرحلة العمرية لضمان حياة صحية جسدية عقلية ونفسية.
للإشارة، فإن اليوم الإعلامي التحسيسي، الذي احتضنه المعهد الوطني للصحة العمومية، جاء تحت عنوان “طب كبار السن في قلب الصحة العمومية”، هدفه تسليط الضوء على التحديات الصحية المرتبطة بزيادة أمد الحياة وضرورة تكييف الخدمات الصحية مع احتياجات الفئة العمرية المتقدمة.