تعيش في قطيعة مع التكنولوجيا وتستقبل الضرّة بصدر رحب
على بعد حوالي 42 كلم عن مدينة قسنطينة جنوبا؛ تقع مضاربهم بمكان معزول تكتنفه الحقول، ويتوفر فيه الكلأ والماء والمناخ المناسب للرعي، وصلنا إليه بعد رحلة شاقة؛ سلكنا فيها الشعاب والمنعرجات الوعرة، تحدونا روح المغامرة، ويدفعنا الفضول للتعرّف عليهم عن قرب.
بشاشة وحفاوة وجود بلا حدود
ما إن اقتربت سيارتنا من الحمى، حتى خرج أطفالهم متوجسين، تتبعهم الحاجة الرّيم التي هلّ وجهها بشاشة، رغم ما كان يبدو عليها من خجل وتردد، ثم لحقت صاحبة البيت السيدة فتيحة، وأغدقت علينا بالحفاوة وكرم الإستقبال في بيتها البسيط، العبق بالأصالة والناضح بالجود.
يوميات المرأة البدوية
في ولاء لا متناه لتقاليد بيئتها، تعمل المرأة البدوية وتكدّ طوال يومها، وقد لا يصدّق إلا من زارهم؛ أنّ بعضهم مازال يعتمد على أمارات الطبيعة لتحديد المواقيت، تقول الحاجة الرّيم أنها تستيقظ مع أول ظهور للشفق الأحمر، تصلي صلاة الصبح، ثم تقصد المراح لحلب الأغنام، وتحضر وجبة الإفطار التي تكون عادة قهوة مع حليب الماعز، يتناول الرجال إفطارهم ثم ينصرفون بالأغنام والإبل إلى المراعي. أما النساء فكل واحدة تفضل ممارسة حرفة معينة بعد إنهاء الأعمال الروتينية، مثل الترتيب والغسيل والطبخ.
وتشكل الأطباق التقليدية على غرار الكسكسي والباطوط والدشيشة وكذا اللبن والرفيس؛ الطعام الأكثر حضورا في وجبات البدويين، إلى جانب ما تجود به أيدي الشابات من أطباق أخرى .
تتولى رعي الإبل بنفسها!
يعتبر يوم الخميس يوم خاص، تخلو فيه المضارب من الرجال، حيث يذهبون للتسوق من أجل اقتناء مختلف الحاجيات والمواد الاستهلاكية، بينما تبقى النساء في البيوت وتنتهزن الفرصة لتبادل الزيارات. أما كبيرات السن فتتولين عادة مهنة الرعي نيابة عن الرجال، وهو ما تقوم به الحاجة الرّيم التي أطلعتنا على مرتع إبلها، الواقع على بعد بضع كيلومترات من مستقرهم.
حرف متنوعة وطموحات أكبر
لا تزال الحرف اليدوية صنعة تفتخر بها المرأة البدوية أيما افتخار، وتعرض منتوجاتها على كل وافد، فقد كانت ومازالت تشكل مصدر دخل مستقل، تساهم به في مصاريف البيت أو تشتري به مختلف حاجياتها بما فيها جهازها إذا كانت مقبلة على الزواج .
وتتنوع نشاطاتهن بين حياكة الزرابي، والأفرشة، وكساء الخيمة أو الفليج، بالإضافة إلى القشابية والبرنوس، معتمدات في ذلك على آداة النسيج التقليدية المعروفة بالسداية، بينما تتفنن أنامل الفتيات الشابات في حرف حديثة مثل التطريز وصناعة البساطات، كما تصنعن من نبات الحلفة وسعف النخيل حصائر وسلل وقبعات أو ما يسمونه “لَمْظَلّة” التي يرتديها الرعاة.
وأعربت زهرة – كنة الرّيم – عن رغبتها في توسيع نشاطاتها، من خلال فتح ورشة مصغرة لصناعة البساطات وأغطية السرائر والوسائد نظرا للطلبات المتزايدة عليها، سواء من نساء موطنها الأصلي ببسكرة أو من طرف محلات المزابيين في الشمال، متمنية أن تحصل على قرض مصغر من الحكومة لتحقيق طموحها.
قطيعة مع التكنولوجيا والكتاب خير جليس
رغم كونها لم تدرس سوى أربع سنوات، إلا أن فتيحة تعتبر نفسها محظوظة أكثر من غيرها، لأن المرأة البدوية في زمنها وحتى في يومنا هذا قلما تحظى بفرصة للتعلّم، بسبب ذاكرة الأعراف المتهالكة، التي تعتبر التعليم أمرا ثانويا أمام أولوية الزواج المبكر وتكوين أسرة، لكنّ إقبالها على العلم والمداومة على القراءة، جعلها تقطع أشواطا متقدمة فاقت بها الكثير من خريجي الجامعات وحاملي الشهادات، حيث كانت تفاجئنا بمداخلاتها أثناء الحديث، وتبهرنا بثقافتها وسعة اطلاعها، مشيرة إلى المتعة التي تجدها حينما تسافر بين ضفتي كتاب، وتنهل من معارفه القيّمة، فبالإضافة إلى كتاب الله، تميل إلى مطالعة الكتب الدينية المتنوعة مثل قصص الأنبياء وكتب الطب النبوي وغيرها.
وردا على سؤالنا المتعلق بعلاقتهن بوسائل الترفيه والتواصل الحديثة مثل التلفاز والهاتف المحمول، تقول فتيحة أنها تملك في بيتها بولاد جلال- ولاية بسكرة- تلفازا وخلويا لكنها ترفض استخدامها إلا للضرورة، لأنها مضيعة للوقت على حد تعبيرها، وتوافقها زهرة الرأي بالقول أنها تكتفي بمتابعة بعض الحصص والأخبار، متجنبة كل ما بات يكتسح الفضائيات من مسلسلات تركية وحصص منافية للقيم.
الضرة أخت محبوبة وشريكة منتظرة عن سابق علم
وخلافا لما نراه من غضب وصخب، واستنكار واستنفار ضد الرجل المعدد في مجتمعنا، يحظى الرجل البدوي بحقه الكامل في المثنى والثلاث والرباع، إذ لا تكاد تجد رجلا من القبيلة البدوية اكتفى بزوجة واحدة.
وتستقبل المرأة البدوية ضرتها برحابة صدر، وتتعايش معها في نفس البيت أو الخيمة، حياة هادئة ملؤها الإحترام والتكامل، وهذا ما أكدته لنا فتيحة، وما لمسناه من خلال معاملتها لأبناء ضرتها الصغرى سهام.
شهر رمضان مناسبة تختزل كل معالم الأصالة
تحرص المرأة البدوية على استقبال شهر رمضان بطقوس محض تقليدية، حيث تبدأ بتحضير أهم شيء وهو الفريك، تقول الرّيم أن تحضيره من اختصاص المرأة، بداية من ذهابها إلى الحقل واقتطاع سنابله ثم حرقها وضربها بالألواح، و تذريتها وغسلها وتمليحها، نهاية بطحنها يدويا بواسطة المطحنة الحجرية ثم غربلتها، وهنا تقاطعها كنتها زهرة لتنفي هذه الأعمال عن البدوية العصرية، مبررة ذلك بضرورة اختصار الجهد و الوقت، حيث باتت هذه الأخيرة لا تختلف عن نساء بقية مناطق الوطن وتشتريه جاهزا.
التوابل توليفة لا غنى عنها
الكزبرة، الكمون، حبة حلاوة، الفلفل الأسود، الفلفل الأحمر والزعفران، توليفة ملازمة للطبخ البدوي، وتعتبر سر النكهة المميزة لأطباقهم، خاصة شوربة رمضان، وتفضل النساء شراءها على طبيعتها أعشابا وحبوبا، ثم تقمن بطحنها في البيت، ووضعها في قطع من الورق حتى تحافظ على نكهتها.
البدو والشاي قصة عشق أزليّة
للسهرة الرمضانية لدى البدو جو خاص تطبعه الفكاهة والحكايا، حيث تجتمع نساؤهن بعد صلاة العشاء تحت سقف الخيمة، على ضوء النجوم والقمر يعضده ضوء قنديل ضئيل، تتوسط مجلسهن صينية الشاي، كعروس فواحة بعطر النعناع، مع صحن الفول السوداني، وأنواع التمور، وبعض الحلويات المحضرة من طرفهن مثل الطمينة، وتتسامرن إلى وقت متأخر من الليل.
مغامرات مع الثعابين واللّصوص
تعيش القلة المحافظة على حياة الحلّ والترحال حياة أشبه بالمعجزة، تنعدم فيها أدنى مظاهر التمدن والأمن، يعتمد بعضهم على القناديل للإضاءة والنار لطهي طعامهم، ويحفظونه بطرق جد تقليدية، وعلى الرغم من استخدام بعضهم للمولدات الكهربائية، مما سمح لهم بإحضار مختلف الأجهزة الكهرومنزلية مثل التلفاز والثلاجة، إلا أن حياتهم لا تزال محفوفة بالمتاعب، فمن قساوة الطبيعة، وخطر الثعابين والعقارب والذئاب، إلى خطر اللّصوص وسرّاق المواشي.
تقول الحاجة الرّيم أنها عاركت الثعبان أكثر من مرة، فطالما حلّ ضيفا ثقيلا على مضاربهم، متسببا في موت عدد من أغنامهم، وإحداث الرعب في قلوبهم.
من جهتها تروي فتيحة عن آخر ما تعرضوا له، تقول أن جماعة من سرّاق المواشي الملثمين، هجموا عليهم ليلا، فقيدوهم بالحبال، وهددوهم بالسكاكين حتى لا يصرخوا، وطلبوا من النساء إسكات الأطفال، ثم ملؤوا شاحنتهم بالأغنام والماعز وانصرفوا.