تقتلونهم من أجل أن تعيشوا.. ويموتون من أجل أن تحيا الجزائر!
عملية البيع بالإهداء لمجموعة المقالات التي كتبتها في يومية الشروق كانت مناسبة وفرصة أخرى لي وللكثير من الزملاء للتواصل المباشر مع الجمهور الذي توافد بأعداد هائلة على المعرض، وكانت مناسبة أكد من خلالها أبناؤنا مدى تعلقهم بالكتاب والقراءة وشغفهم بالمطالعة وكل أنواع الكتابات السياسية والثقافية والدينية والأدبية والتاريخية والرياضية، رغم قلتها.
لكن ما قرأته في عيون زوار المعرض صغارا وكبارا ومن كل جهات الوطن بكل توجهاتهم واهتماماتهم، يزيدني في نفس الوقت “ألما وحسرة” بنفس القدر من “الثقة والأمل” في الوطن وأبناء الوطن، وفي القراءة والكتابة والشغف بمختلف العلوم والفنون رغم المحن والآلام وشح الموارد.. ألم وحسرة على واقع الكتاب والقراءة على حد سواء، وحاجة أبنائنا إلى المزيد من غذاء الروح في كل المجالات.. وألم وحسرة على غياب فادح وفاضح للكتابات التاريخية وكأنه لا تاريخ لهذا الوطن ولا محطات نعتز بها ونفتخر، رغم أننا أصحاب واحدة من أعظم ثورات القرن العشرين..
الإقبال يزيدني بالمقابل ثقة وأملا بسبب ما يتحلى به أبناؤنا من وعي بكل ما ينقصنا وما يلزمنا، وحرصهم على التزود بالعلم والثقافة وكل الفنون رغم المحن وصعوبة الحياة ومحاولات قتلهم المتكررة بكل الطرق..
تأكدت – مثل غيري – من الفراغ الذي تعانون منه، وبأنكم تستحقون أن نكتب عنكم ولكم باستمرار في كل المجالات، ونؤرخ ونوثق وننتج لكم الكتب والأفلام والمسلسلات الدينية والتاريخية والدرامية والسياسية والرياضية، ونقنن فتح المجال السمعي البصري في أقرب وقت، وتستحقون أن نتواصل معكم كل مرة لنعتذر لكم ونتوسل إليكم ونشكركم على اهتمامكم وتعلقكم بنا وصبركم علينا، كما تأكدت أنكم تستحقون أن نستمع إليكم كل مرة ونقلل من الكلام في اتجاه واحد، ونتوجه إلى التوثيق في مجتمع يكاد يتحول إلى ثرثار وكاذب ومنافق بسبب بائعي الكلام والأحلام الزائفة..
يجب علينا أن نعي ونفهم أنكم تستحقون وطنا أفضل من جزائر اليوم.. وطنا هو جزائر تجدون فيها العزة والكرامة وكل الخيارات في القراءة، قبل لقمة العيش والسكن والماء والكهرباء، وتنعمون فيها بخيراتها وتشاركون في صناعة قراراتها وبنائها وتحديد مستقبلها، واختيار مشروع المجتمع الذي يناسبكم. كما ينبغي ألا نكتفي بالعودة إليكم فقط في المواعيد الانتخابية الكثيرة والمتكررة من دون فائدة ولا جدوى ما دامت النتائج محسومة!
الأهم من كل هذا وذاك، أنه حان الوقت لكي يفهم الجميع أن أبناءنا يستحقون رجالا ونساء أحسن منا جميعا، يعملون أكثر مما يتكلمون، ويقدرونهم ويحترمونهم، ويصارحونهم ويتحاورون ويتبادلون الآراء والأفكار معهم، ولا يكذبون عليهم ولا يدفعون بهم إلى التنكر لتاريخهم وتضحيات رجال سبقونا في كل المجالات، لكننا تنكرنا لهم وهم أحياء، وأسأنا إليهم وهم أموات، فلم نكتب عنهم ونعطيهم حقهم، إلا أن التاريخ لن يرحمنا ولن يرحم الجاحدين والمتخاذلين والمنافقين والفاشلين، طال الزمن أو قصر..
كانت هذه بعض خلاصات لبعض الصرخات التي سمعتها من أعماق أبنائنا في تواصلي المباشر معهم بمناسبة المعرض الدولي للكتاب، وصرخات أخرى من أبناء الجزائر العميقة الذين يتألمون أكثر ويأملون خيرا في وطنهم ولن ينساقوا وراء المغامرين، ولن يكرروا تجارب الآخرين حتى لو ماتوا جوعا وعطشا وتعاسة ويأسا، وحتى لو “أردتم أن تقتلوهم لكي تعيشوا فإنهم مستعدون للموت من أجل أن تحيا الجزائر”.