تونس والجزائر وجهان لعملة ليست واحدة
لم أكن أتصوّر أنّ زيارتي الأولى إلى تونس، ستكون أشبه بالزيارة التي قام بها رائد النهضة المصرية رفاعة رافع الطهطاوي إلى باريس، وبدأ معها المنعطفُ الكبير في سيرته سنة 1826ميلادية، فكتب واحدا من أهمّ كتبه “تَخْلِيصُ الإِبْرِيزِ فيِ تَلْخِيصِ بَارِيز”. وحاول من خلال ما رأى وما سمع، أن ينقل ذلك إلى مصر التي كانت ترزح يومها تحت نير التخلف، مثلها في ذلك مثل كلّ البلاد العربية. لكن شتان بين الطهطاوي فيلسوف النهضة المصرية الذي سافر إلى فرنسا القرن التاسع عشر باحثا عن المعرفة، وبين سائح زار تونس بحثا عن لحظات سكينة وهدوء.
- عندما نزلنا، وكنّا مجموعة من الصحفيين، بمطار العاصمة التونسية وجدنا من ينتظرنا، ولذلك لم نجشّم أنفسنا عناء البحث عن طاكسي يقلّنا إلى الفندق، وحتى مسألة إقامتنا كانت مضبوطة سلفا، لأنّ زيارتنا كانت في إطار عمل، ولم يمر سوى ما يقارب نصف ساعة، حتى كنّا في فندق ”أفريكا” الذي يتوسط شارع لحبيب بورقيبة في قلب العاصمة التونسية.
- في اليوم الموالي، قمت بجولة أدقّ، زرت خلالها العديد من المحلات، كما تناولت القهوة التونسية، لكنّ الذي كان يشغلني منذ أن غادرت الجزائر، هو كيف سأجد حال الثقافة في تونس؟، وهل تشبه مكتباتها المكتبات الجزائرية؟، وماذا عن حال الصحافة التونسية؟
- لم يكن بمقدوري الإجابة عن هذه الأسئلة من دون الاستعانة بزيارة إلى المكتبات، وهو الأمر الذي كان بالفعل، لكنّ المكتبات الثلاث الموجودة بشارع بورقيبة، لم تكن بالغنى الذي كنت أتصوّره، ثم إنّ أسعار الكتب مرتفعة، وهو ما حال بيني وبين اقتناء بعض ما استهواني منها.
- الملاحظة الثانية التي سجّلتها حول مكتبات تونس، توفّرها على أغلب كتابات الروائية الجزائرية المغتربة أحلام مستغانمي، وبعض كتابات الروائي واسيني لعرج، إضافة إلى أعمال ياسمينة خضرا.
- أمّا الصحافة التونسية، فليست مقروءة بالشكل الذي يوجد عندنا في الجزائر، حيث نادرا ما تصادف تونسيا يتصفح جريدة في مقهى أو على قارعة الطريق، وهو الأمر الذي دفعني إلى طرح هذا السؤال على بعض الصحفيين التونسيين، فكانت إجابتهم تحمل نوعا من عدم الرضى على أداء الصحف التونسية في معالجة الجوانب الحياتية للمجتمع التونسي، وضرب لي بعضهم مثلا عن أحداث بنزت التي جرت حسبما عرفت قبل مدة، وسقط خلالها جرحى، لكنّ الصحف التونسية تجاهلت الحديث عنها.
- بورقيبة والشابي وحكاية التحرير
- ليس خافيا على أحد، أنّ جارتنا الشرقية، مدينة لبورقيبة بالكثير من مظاهر التحرّر البادية بشكل جلي في تصرفات التونسيين، خاصة عند النساء التونسيات. ويعدّ السفور ميزة أساسية في تونس العاصمة، وهذا ليس جديدا، لكنّه ترجمة لدعوة قديمة أطلقها الرئيس الراحل لحبيب بورقيبة، مباشرة عقب استقلال تونس في خمسينيات القرن الماضي، كمقدمة لدعوة أشمل تدخل في إطار تحديث المجتمع التونسي من وجهة نظر “بورقيبية”. وفيما يبدو وكأنّه نوع من الامتنان والشكر للرئيس الراحل، ما تزال المكتبات التونسية تحتفظ بالعديد من المؤلفات التي تروي تفاصيل المرحلة البورقيبية، وبأقلام عدد من رموزها، على غرار محمد مزالي، الوزير الأول التونسي الأسبق، الذي انقلب عليه بورقيبة سنة 1986، وعزله وحاكمه بتهم الفساد وسوء الإدارة، وهي تهم دفعته إلى اللّجوء إلى الجزائر، فرارا من سطوة الرئيس الراحل.
- أما الشاعر أبو القاسم الشابي، الذي عاش شابا ومات شابا، فبحثت عنه بين الرفوف، ووجدته في إحدى المكتبات ماثلا بشعره، منشدا للحياة والحب والحرية، ولولا مؤلّف كتاب “أبو القاسم الشابي..شاعر الحياة والحب والحرية” أبو زيان السعدي، ما كنت لأعرف أنّ الشابي يرقد رقدته الأبدية في روضة بمدينة توزر منذ سنة 1946، نقل إليها بعدما كان جثمانه يرقد في قرية الشابية مسقط رأسه. ولأنّ إعجابا منقطع النظير بهذا الشاعر التونسي الشاب سكنني منذ أيام الثانوية، دفعت عشرة دنانير تونسية بالتمام والكمال، واصطحبت معي الشابي صادحا في كتاب يضمّ أهمّ المختارات من شعره، وتركت كتبا أخرى تتحدث عن بورقيبة دون أسف على فقدانها.
- تونس والجزائر وجهان لعملة ليست واحدة
- عندما تتحدث الصحافة الجزائرية مع اقتراب كلّ صيف عن قوافل من الجزائريين يتّجهون شرقا، فلا داعي للغرابة لأنّ الحد الأدنى من خصائص السياحة الحديثة يتوفر في تونس، والتونسيون على الأقل في العاصمة، لا يشتكون تراكم القاذورات، أو الشوارع المهترئة، مثلما نشكو نحن الجزائريون من ذلك صباح مساء.
- إضافة إلى ذلك بإمكان السائح التجوّل على مدار اليوم والساعة، دون أن ينغّص صفوه سارق أو قاطع طريق، خاصة في الحارات الشعبية، وبإمكانه أن يتبضّع، دون أن تترصّده أعين لص، أو ترهبه يد مجرم.
- و”مدينة العربي” الواقعة في آخر شارع لحبيب بورقيبة، وهي شبيهة بالقصبة العتيقة في الجزائر العاصمة، تضمّ الكثير من المحلات التي تبيع سلعا تقليدية متنوعة يتوافد عليها السياح بكثرة دون أن يلاقوا مشكلة، لأنّ الأمن متوفر بشكل واضح، ثم إنّ ظاهرة المتسولين تكاد تنعدم في تونس، ولا يكاد الزائر لهذا البلد أن يلاحظ مثل هذه المظاهر مهما طالت إقامته أو قصرت
- عندما انتهت زيارتنا إلى تونس التي دامت ثلاثة أيام بلياليها، عدنا إلى الجزائر عن طريق مطار هواري بومدين، أتدرون ما الذي صادفنا بمجرد خروجنا من بهو المطار؟ لقد امتدّت إلينا يدا متسولة من يتأمل لباسها يقسم أنّها والحاجة خطان متوازيان، إلى درجة أنّ زميلي الصحفي الذي كان يرافقني، قال لي بهذه العبارة ”انظر إنّها متسولة بدرجة خمس نجوم”.