توَدّد تُستعبد أو تمرّد فتُبدد
لأن انتقال البلد من نظام الحزب الواحد إلى التعددية جاء متأخرا وفي ظروف استثنائية، فإن المشهد السياسي قد توقف عند بعد “التعدد” في النظام الديمقراطي، وأخفق في الانتقال إلى التداول على السلطة، ليس فقط لأن “حمل” التداول الأول قد دُسَّ في التراب، بل أيضا لأن الطبقة السياسية الوليدة لم تكن مهيأة للامساك على هون بتدرُّج سلس في مسار لا يصطدم بها مع الدولة العميقة.
قراءة النخب السياسية العربية للمسارات الديمقراطية الغربية توقفت عند الصفحة الأخيرة من إنجيلها، عند نهاية القرن التاسع عشر، وكان قد مضى على تاريخ نشأتها أكثر من قرنين، شهدت خلالهما انتكاساتٍ لا تحصى قبل أن يستقر مسار التداول على السلطة، واحتاجت الليبرالية إلى أكثر من حرب أهلية مع بقايا النظام الإقطاعي، وإلى عراك طويل مع مؤسساته الثقافية العضوية على رأسها الكنيسة، وإلى حروب إقليمية وسَّعت من فضائها الحيوي على حساب بقايا نظام الإقطاع.
أغلب الأحزاب الماسكة اليوم بالحكم في أوروبا، ومنها المنتسبة للتيار الاشتراكي والعمالي، كانت محرومة من المشاركة في لعبة التداول إلى أن غيَّرت جلدها وتنكَّرت لشعاراتها وعهودها، وقدَّمت “عروض خدمة” لا تُردّ، فصارت جزءاً من النظام لا تكاد تميَّز عن الأحزاب الليبرالية التقليدية.
وبعد مضيِّ رُبع قرن عن بداية اللعبة في الجزائر كما في بعض الدول العربية، ما يزال جزء كبير من الطبقة السياسية عالقا عند السطر الأخير من آخر صفحة في كتاب الديمقراطية الغربية حتى وهي تحتضر في عقر دارها، وتكشف عما فيها من زور وتدليس، ومازال بعضهم يراهن ـ بسذاجة لا تُصدَّق ـ على فرضية استلام السلطة بكل أريحية من أيدي من استولى عليها بمغالبة العسكر، أو ورثها بالوكالة من المنظومة الاستعمارية قبل أن ترحل.
أقرب الدروس إلينا كانت في مصر وتونس والآن في المغرب تكشف كيف أن مسار الانتقال إلى التداول على السلطة بات مغلقا بإحكام بعد أن “قص” عسكر مصر “لحية” الإخوان، وارتدَّت دولة المخزن في المغرب على حزب العدالة والتنمية الذي قاول لها من الباطن لإجهاض “ثورة” فبراير 2011، كما تنكر من قبل لخدمات الأحزاب الاشتراكية وحتى لحزب الاستقلال: حزب المخزن بامتياز.
ليس أمام الطبقة السياسية اليوم من خيار سوى الدخول في الصف والتغريد داخل السرب الخادم للمتحكمين في الدولة العميقة، والقبول بما رضي به اليسار الأوروبي، أو التأسِّي ومواساة النفس باستشراف ما هو قادم نراه يرتدُّ بالغرب الليبرالي نحو نُظم حكم فاشية صرفة، قد تستغني فيها القوى الماسكة بالحكم عن التعدُّدية وعن صيغ التداول الصوري التي باتت مفضوحة سياسيا وأخلاقيا ومكلفة ماديا.
ما هو قادم يُستشرف بوضوح مع وصول ترمب ـ ابن الأوليغارشية الماليةـ إلى البيت الأبيض من غير حاجة إلى سند حزبي، واحتمال قوي بوصول ممثل عنها إلى قصر الإليزي رغم أنف الأحزاب التقليدية من اليمين واليسار، قد تمتدُّ عدواه بسرعة إلى “الضاحية” فيُستغنى بعد حين عن جبهة التحرير وناصية التجمع، وعن النسخ ممن “تشاكلت أهواؤهم وأعمالهم” حول طموح انتزاع السلطة من ذوي السلطان وهم يودُّون “أن غير ذات الشوكة” تكون لهم.