ثورات بطعم العلقم
لم يعد من محدّد لنبض الواقع السياسي العربي سوى ما يسمّى “الربيع العربي”، سواء للدول التي شهدت هذا الفصل أو غيرها، ومن ثمّة لا يمكن أن نتخيّل الواقع وكذلك مستقبل هذه المنطقة دون الرجوع إلى واقع هذه الثورات أو مستقبلها. من الأكيد أنّ هذه الثورات مثلت أحد أهمّ الرهانات التي على أساسها سيتحدّد المستقبل.
تونس بوّابة هذه الثورات، وإن كانت أقلّ الحالات سوءا على المستويين السياسي والأمني إلاّ أنّها ليست كما يبدو من خارج البلاد من صورة بهيّة رغم تفاؤل البعض وحاجة الآخرين إلى بصيص أمل. مصر التي شكّلت المربّع الثاني وكذلك الأهمّ بحكم موقعها الاستراتيجي ووزنها ضمن الحراك السياسي الحارق، صارت إلى ثورة أولى تبعتها ثانية هي في عرف البعض انقلاب عسكري، بينما سقطت ليبيا في أتون حرب أهليّة لا يمكن أن نتبيّن مداها أو مستقبلها، في حين فقد اليمن سعادة طبعت تاريخه ليكون على حافة الانشطار بل التشظي أو التفتيت، في حين انفتحت سورية على العراق بفعل داعش التي تحوّلت إلى سرطان قاتل.
هي تشكيلة أشبه ما تكون بفسيفساء لا يفتح الشهيّة على ثورات أخرى أمام الشعوب الأخرى، حين انقلبت هذه الثورات إلى نار تهدّد جيرانها، وسط خوف لم يعد (كما كان في الأوّل) بين “ثورة” (مهما كان التعريف) و”ثورة مضادة” (مهما كانت المفاهيم)، بل أزمة سياسيّة ولدت أو هي تعايش أزمة اقتصادية وأخرى اجتماعيّة.
لم تعد الآفاق مفتوحة على “ثورات” قادمة، بل على توسّع دائرة الإرهاب في جميع هذه الدول وكذلك جيرانها، لينقلب “نبض الثورات” إلى “نبض الإرهاب” الذي انطلق من شكله التقليدي الخفيّ إلى ما يشبه الجيوش التقليديّة عددا وعدّة.
هي مرارة في الحلق، دون استثناء، ينضاف إليه في بعض البلدان وبعض الحالات، “ندم” لرحيل الأنظمة السابقة، حين عاد “الأزلام” إلى الحكم في تونس وصاروا رقمًا صعبا في كلّ من ليبيا ومصر واليمن.
بين نظرية المؤامرة لدى الكثيرين، “ثورات” تم طبخها على عجل في مخابر معاهد البحث وأقبية وكالات المخابرات الأمريكيّة، التي ـ وفق ذات النظريّة، من أجل الإعداد لإعادة تقطيع أوصال هذه الأوطان، من جهة، تقابلها “حتميّة التاريخ” لدى من يرون أنّ “الثورات” جولات أو هي مراوحة بين انتصارات عدّة وانكسارات عديدة.
مهما تكن الحقيقة وفق قناعات كلّ فرد، فالثابت هو كمّ الخوف الكامن في دول هذا “الربيع” الذي يراه آخرون “شتاء قارصًا”، وكذلك مقدار الخوف في الدول التي تجاورها، حين ثبت بما لا يدع مجالا للشكّ أو الحاجة لسبر الأراء، أنّ “الربيع العربي” لم يعد سلعة مطلوبة أو بضاعة تقبل الترويج، بل صار بحسب قول الكثيرين “لعنة” أو هو “إيبولا” سياسية، يخشاها الكثيرون.
من الاستحالة عود العجلة إلى الوراء مع استحالة التقدم بالسرعة المطلوبة ليكون الخطر أكبر بالمراوحة في المكان ذاته.