جناية مع سبق الإصرار والترصد
ما قاله السيد فريد بجاوي، أحد المتهمين بتقديم النفط الجزائري في سلات من الزمرد لمؤسسات أجنبية، وإبن أخ وزير الخارجية الأسبق الذي ساهم في تحرير مختلف دساتير الجزائر، عن كشف أسماء ثقيلة لعقت معه من العسل الأسود إن توبع قضائيا أو استدعِي للتحقيق معه، يؤكد أننا على مشارف قانون الغاب، حيث يأكل القوي الضعيف ويبقى بعيدا عن العقاب، وأكثر من ذلك يهدّد بحرق الأرض ودفع العباد إلى غياهيب السجون ونشر كل الغسيل الوسخ على شرفات مباني العالم، وما قام به إبن أخ معالي الوزير ليس استثناء في التعامل مع القضايا المصيرية في البلاد، بل إنه قاعدة وأسلوب حياة يسلكه كل من يجلس على مقعد المسؤولية، عندما يشكّل مع بقية المسؤولين عُصبة يفتح فيها كل فرد فاه لالتهام قوت الناس، ويغمض عينيه عن تجاوزات شركائه على أن يسلكوا أسلوبه على مقاعد المسؤولية.
ومن الجرائم المسكوت عنها رغم أنها بدرجة جناية، هي ظاهرة التهديد بكشف ملفات الفساد وأسماء المتورطين فيها، وزعم معرفة أسرار مزلزلة، وكان قد سنّ هذا الأسلوب الذي يتلاعب بمشاعر المواطنين الوزير الأول السابق عبد الحميد ابراهيمي الذي فجّر “فضيحة” سرقة ستة وعشرين مليار دولار في زمن الشاذلي بن جديد، وبالرغم من تواجده منذ ربع قرن خارج البلاد، إلا أنه سكت عن الكلام المباح، وصام في زمن وموضع الكلام، كما زعم أبو جرة سلطاني بازدحام خزانته بملفات رشوة، ووعد بكشفها دون أن يفعل، وتطل بين الحين والآخر السيدة لويزة حنون فتبرق وترعد دون إمطار عن ملفات إجرام أبطالها برلمانيين ورؤساء أحزاب، والظاهرة استفحلت في كل المجالات، فرؤساء أندية الكرة يتحدثون عن تبييض أموال وشراء ذمم وبيع شرف، ومنتخبين يتحدثون عن كراسي مسؤولية في مزاد الرشوة العلني، ومديرو جامعات وتنظيمات طلابية ونقابيو صحة يتهمون أساتذة وأطباء بالتحرش بالطالبات وبيع النقاط والشهادات وتهريب الأدوية والمرضى إلى العيادات الخاصة دون أن تُنقل كل هاته الإتهامات إلى مكانها الحقيقي بين أسوار العدالة، ودون أن يجد هؤلاء من يجرّهم إلى القضاء، إما كشهود على جرائم يمتلكون ملفاتها، وإما كمتهمين في إثارة الفتن وقذف أعراض الناس بالباطل، أو بتهمة جناية عدم التبليغ عن جريمة التي يعاقب عليها القانون بنفس الجريمة المسكوت عنها.
الانتقال من ارتكاب الجريمة إلى التباهي بغنائمها وتهديد الشهود والشركاء في الجريمة والضحايا والنائب العام والقاضي إن حاولوا متابعة مقترفها هو أبشع ما يمكن أن يتصوره الإنسان من قذارة الإجرامن ويهدد بقطع خيط الثقة بين المسؤولين القادمين والمواطنين ولا نقول بين المسؤولين الحاليين والمواطنين.
قديما قال أبو علي الدقاق الشافعي أن الساكت عن الحق شيطان أخرس، والقرآن الكريم حسم الأمر في قوله تعالى: “ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم”، وعندما يسكن القلب الآثم في صدر شيطان أخرس فعلى البلاد… مليون ونصف مليون… سلام.