حبات”الأسبرين” لا تكفي لتفعيل قدرات المرأة
قبل سنوات من الآن، لم يكن للتنمية البشرية موطئ قدم على الأقل في بلداننا العربية التي كانت تنظر إلى الغرب وهو يفتح آفاقا واسعة في تطوير الذات وكأنها تشاهد فيلما خياليا لا يمكن أن تتحقق أحداثه في الواقع، إلى أن قرّر بعض المبدعين العرب أن يروضوا النفس البشرية ويخضعوها للتدريب والتطوير حتى ترتقي بصاحبها في سلم النجاح، والدكتور أحمد محمود المصري، رئيس مجموعة “ورماك” الدولية للتدريب والتطوير، هو واحد من هؤلاء الذين يدعون إلى تطوير الذات وتأهليها لمجابهة كل التغييرات التي تطرأ على عالمنا ومجتمعاتنا الصغيرة.
“جواهر الشروق” التقت الدكتور أحمد المصري على هامش الملتقى الدولى لتأهيل القيادات النسائية الذي نظمه موقعنا في شهر مارس المنصرم، حيث قدّم دورات تدريبية في غاية الأهمية لتدريب القيادات النسائية، وقد عبّر عن إعجابه من خلال هذا الحوار بالتفاعل الشديد من النساء الجزائريات مع الدورات التدريبية ورغبتهن في تطوير مهاراتهن.
– ما تزال المرأة في الوطن العربي تعاني من كثير من الظروف الاجتماعية السيئة، كيف تنظر إلى واقع المرأة العربية ونحن على أبواب الألفية الثالثة؟
المرأة العربية تعاني معاناة كبيرة جدا، حيث تمارس حياتها تحت الضغوط الحياتية المستمرة من تعليم الأولاد ومراعاة الأسرة والعمل خارج المنزل والذي يصبح أحيانا ضروريا من الناحية المادية، بالإضافة إلى أعبائها الأساسية المتعلقة بالأسرة مما يجعلها دائما في صراع وتوتر بسبب الضغوط المستمرة عليها، في الوقت الذي تنتقص بعض الموروثات الاجتماعية والتقاليد في بعض الدول العربية من قدر المرأة ولا تلقى بالا لاجتهادها وتضحياتها من أجل أسرتها.
– ما هي المفاتيح الأساسية التي تحتاج إليها المرأة العربية لتغيير واقعها نحو الأفضل؟
تحتاج المرأة بالدرجة الأولى إلى مفاتيح ذاتية، فلدينا الكثير من السيدات العربيات يعتبرن نموذجا يحتذى به ولهن باع طويل في مجالاتهن على مستوى العالم، ثم أن المرأة تحتاج إلى تمكين نفسها قبل أن نطلب من المجتمع أن يمكّنها من وضع مفاتيح النجاح في يدها، وذلك بتطوير قدراتها القيادية والإدارية في مجال عملها، بالإضافة إلى التثقيف الذاتي بالقراءة والإطلاع، ثم هناك دور كبير على الدولة القيام به لتمكين المرأة، ومن المفروض أن يضطلع بهذا الدور المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية بشكل أساسي، بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني التي عليها دور كبير في تطوير المرأة و تفعيل قدراتها.
– الأسرة العربية أصبحت تخرج لنا في السنوات الأخيرة الشواذ والمنحرفين، برأيك ما الذي أصاب هذه الأسرة؟
يجب أن لا تهمل المرأة بيتها على حساب عملها، فالهدف الأساسي للمرأة لا يجب أن يخرج عن رعاية الأبناء والاهتمام بشؤون الأسرة، ولكننا أصبحنا نرى الكثير من النساء أولين العمل خارج المنزل اهتماما كبيرا على حساب أسرهن، بالإضافة إلى انشغال الزوج بكل ما هو خارج منزله وترك الأبناء بدون رعاية واهتمام، دون أن نغفل عن سبب آخر يعتبر قويا في ضياع الأبناء وانحرافهم، وهو انفتاح العالم على وسائل تقنية وانترنت، وهو ما جعل مراقبة الأبناء أمرا يصعب السيطرة عليه، ولاشك أن المؤسسات التربوية ووسائل الإعلام يتحملان جزء من المسؤولية، إذ أصبح دورهما يقتصر على “ضخ” المعلومات العلمية دون التركيز على النواحي التربوية، ومن الضرورة بمكان أن تقوم المساجد بتوعية الشباب إلى مخاطر الانزلاق في طريق الانحراف.
– جئت إلى الجزائر لتقديم دورات تدريبية لتأهيل القيادات النسوية، ترى ما الذي نحتاج إليه لتأهيلهن؟
نحن أمام ثلاث سيناريوهات للتعامل مع تأهيل وتطوير المرأة العربية، السيناريو الأول وضع الأيدي في الماء البارد(أي لا نفعل شيئا)، ونترك المرأة دون أن نقدم لها مساعدة لتطوير نفسها، وهذا سيناريوم خطير ونتائجه كارثية، أما السيناريو الثاني فهو التدخل بما يسمى” حبات الأسبرين” وهذا الأسلوب يعتبر مسكنا فقط، ومثال ذلك تقديم دورة تدريبية لتفعيل قدرات المرأة وهذا لديه تأثير متوسط على فعالية المرأة، أما السيناريو الثالث فهو سيناريو استراتيجي يهدف إلى تمكين المرأة إداريا وقياديا وأسريا، ويشارك في هذا السيناريو مؤسسات إعلامية و تربوية ودينية، كما أن هناك الكثير من الأدوار التي يجب أن تؤديها مؤسسات المجتمع الأخرى، مثل الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني، وكافة هذه الأطراف يجب أن تتكامل أدوارها وتتفاعل بهدف إحداث تطوير حقيقي للمرأة العربية.
– هل هناك نساء استطعتم تأهيلهن؟
أعطيت برامج هامة على مدى حياتي المهنية التي تزيد عن 25 عاما من العمل في التطوير والتدريب، بالإضافة إلى كوني أستاذا جامعيا، وهو ما مكنني من جمع خبرة علمية وعملية ساهمت بها في تطوير العديد من السيدات خلال هذه السنوات، وأذكر على سيبل المثال تطوير قيادات الصف الثاني من النساء في جامعة الملك عبد العزيز في العربية السعودية، حيث قمنا بعمل برنامج متكامل لتأهيل قيادات نسائية، حيث أصبحن الآن من أهم القائدات الإداريات على مستوى الجامعة من خلال ما تحصلن عليه من علم ومعرفة ساهمت في تبوئهن مناصب قيادية، كما أعمل مع مجموعة من النساء ضمن برنامج المعونة الأمريكية في مصر، ومؤسسة “بلان” الإنجليزية، حيث ساهمت هذه البرامج في خلق فرص عمل للنساء، كما ساهمت في إدارة سيدات أعمال لمشاريع صغيرة وأصبحن قادرات على إدارة هذه المشاريع بكفاءة عالية، كما قمنا بتأهيل بعض النساء في منطقة الخليج العربي لزيادة الأعمال وإدارة المشاريع الصغيرة و المتوسطة، وفي السودان قمنا بعمل دراسة استراتيجية تطرح آليات تفعيل عمل النساء في المجتمع السوداني ودعمهن بآليات الإدارة والقيادة والسيدة أحلام، وهي امرأة سودانية وصلت إلى منصب الأمين العام لاتحاد المرأة السودانية، ومرشحة برلمانية تعتبر نتاج الدورات التدريبية لتأهيل القيادات النسائية.
– كيف وجدت تفاعل النساء الجزائريات مع الدورات التدريبية التي قدمتها لهن؟
حقيقة لم أكن أتوقع هذا الاهتمام الكبير بالدورات التدريبية، فمنذ وصولي إلى الجزائر لاحظت الحديث المستمر عن تطوير الذات، وحينما دخلنا إلى قاعة التدريب اكتشفت أن هذا الاهتمام لا يوازي إلاّ 5 بالمائة من الحقيقة، حيث لمسنا رغبة ملحة وصادقة من المتدربات لتطوير أنفسهن، وظهر ذلك جليا في النقاشات والمداخلات خلال فعاليات الدورة، ولاحظنا أن المشاركات لا يرغبن في انتهاء اليوم التدريبي، ويجلسن مع المحاضرين للاستفادة منهم والحصول على أسرار النجاح، ومما يزيد التفاعل الرغبة في الحصول على مهارات قيادية وإدارية تمكنهن من حل كل المشكلات التي تواجههن في العمل، ولاحظنا أيضا أن بعض المشاركات يمتلكن مهارات من دورات سابقة جعلتهن يتلهفن على المزيد من المعرفة والمهارة، وهو جعلهن يطلبن دوارت أخرى في مجالات أخرى منها ما يتعلق بتخصصاتهن، كما أن المشاركات تفاعلن مع الدورات إلى الحد الذي جعلهن يطبقن ما تعلمهن في الدورة في مجال عملهن، وهذا ما سيعود عليهن بالفائدة الكبيرة.