حتى لا تصبح بلداننا شأنا غربيا!!
في مشهد لم يكن يخطر على بال بشر، نقلت شاشات التلفزة نهاية حياة العقيد معمر القذافي في آخر معقل تمترس فيه بعد حرب قاسية استمرت عدة اشهر.. كان ذلك بعد يوم واحد من زيارة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية إلى طرابلس وتوضيحها لطبيعة العلاقة المستقبلية بين ليبيا الحرة والولايات المتحدة الأمريكية.. ويبدو أن لهذين الحدثين ارتباط وثيق وحاسم في سياق الحرب في ليبيا.
-
القذافي نموذج مختلف:
-
لقد سقط نظام مبارك بعد أسابيع قليلة من انتفاضة الشعب المصري، كما هرب بن علي من تونس بعد اقل من شهر من ثورة الشعب التونسي، حينذاك علق العقيد معمر القذافي على ما يحدث بأن ليبيا ليست كمصر او تونس، ولقد كان في ذلك صادقا!! ودشن العقيد نمطا جديدا في مواجهة الشارع صارت على أثره أنظمة أخرى في مواجهة شعوبها.. إلا أن العقيد لم يدرك بما فيه الكفاية ان حكمه لليبيا لمدة تزيد عن الاربعين عاما لم تنتج الا التجهيل والنفي والانغلاق عن الحياة وأنه لم يعد صالحا للاستمرار.. ولم يفهم أن القرار الدولي قد اتخذ بحقه، ولم يستوعب أن كل ما يمكن أن يقوم به إنما هو إطالة أيام المواجهات وإلحاق خسائر اكبر في صفوف الليبيين سواء الموالين او المعارضين، وستكون ليبيا هي الخاسر الوحيد المباشر من هذه الحرب الواسعة والتي قد تلقي بظلالها الامنية الرديئة على المحيط العربي.. لا سيما إذا أدركنا أن الناتو يريدها حرب تدمير للبنى التحتية ولكل المرافق الرئيسية لكي يحقق فيما بعد مكاسبه المالية الضخمة في مشاريع إعمار ليبيا، كما بدأنا نسمع من تصريحات لكبار المسؤولين الغربيين، ويريدها حربا امنية توطئ لقواته وأجهزته في منطقة حيوية استراتيجية..
-
صحيح أن العقيد القذافي أشعل الحرب كما توعد في كل ليبيا وجعلها نارا حمراء وبعث بقواته إلى شرق ليبيا وغربها ودك القرى والمدن التي سيطر عليها الثوار، ولم يتردد في الضرب بعنف، وتميز العقيد بذلك عما قام به مبارك وزين العابدين.. واجه العقيد الحرب من كل الجبهات.. فقد انسحب الدبلوماسيون الليبيون من وزارة خارجيته، وتفكك الجيش واستقال الوزراء وتحركت المدن وجيّش الغرب طائراته وسفنه وإعلامه ولم يتنازل العقيد.. وهنا إشكالية معقدة قد احكم الغرب صناعتها تماما.. فمن جهة تقف المعارضة الواسعة التي تشكلت بفعل طبيعة النظام الديكتاتورية عاجزة عن إسقاط العقيد بإمكانياتها وحدها.. وكان الغربيون يدركون انه لا بد من إيصال المعارضة الليبية إلى قناعات راسخة انه لولا دعم الغرب لها وحمايتها من نار القذافي فإن المجازر ستكون مصيرها.. ومن جهة أخرى لم يبد العقيد التنازلات الضرورية في الوقت المناسب للشعب الليبي، مفوتا الفرصة على الغربيين، بل اتجه لقمع المظاهرات بعنف وقسوة، الأمر الذي دفع بالمعارضة أكثر لقبول شروط التحالف الغربي..
-
لقد انتهت حقبة القذافي ولم تعد ليبيا القذافي على قيد الحياة، فلا مجالس شعبية، ولا كتاب اخضر، ولا لجان ثورية، ولا المفكر القائد، ولا ملك الملوك إلى آخر العناوين.. وبالتأكيد هناك ليبيا جديدة ستخرج إلى الشمس، وبالتأكيد كذلك سيكون على ليبيا الجديدة تحديات جسيمة أولها كيف تستطيع الفكاك من أنياب الغرب الشرهة وبناء دولة حديثة تسود فيها الحريات وتضمن فيها الحقوق، لأن ذلك هو الثمن الحقيقي لدماء الليبيين التي سالت خلال اشهر عديدة من المواجهات مع كتائب القذافي.
-
درس كبير أمام النظام العربي:
-
هذا درس كبير ينبغي استيعابه من قبل النظام العربي قبل فوات الأوان، وذلك بفهم أن كل حالة عربية ستواجه بكيفية مختلفة حيث أن مصانع الخطط في الغرب تعمل ليل نهار لاستيعاب ما يجري في منطقتنا والتدخل لجني أرباح الصراعات المحتملة بكيفيات متنوعة..
-
وهكذا يصبح على النظام العربي أن يسارع بتقديم الحلول والمحاولات مع أبناء الشعب وقواه المعارضة قبل وصول الصدامات إلى نهاياتها الفاجعة، وأن ينزع فتائل التناقضات الحادة في البلاد، وأن يوسع رقعة الحريات والإصلاحات لتمس عمق الحياة السياسية والاقتصادية حتى لو أدت مآلاتها إلى تغيير النظام ومجيء قوى سياسية أخرى لسدة الحكم، وعلى النظام العربي أن يدرك أن هذا هو البديل الوحيد لسقوطه المدوي، كما انه البديل عن خراب البلد والفوضى المحتملة فيه، وهو البديل كذلك عن تدخل الغربيين بشكل سافر وكبير في شؤوننا الداخلية.. ولن تجدي نفعا المواجهات العنفية في مرحلة اتخذ الغرب قراره بالدخول إلى المنطقة بشكل جديد لإعادة تشكيلها وترتيب الأوراق فيها، وقد أصبحت مواجهات العنف في بلداننا بين الأنظمة والشعوب هي المبرر للتدخلات الأجنبية الخبيثة، ففي حين كان التدخل الغربي لا يكاد يرى أثره في مجريات الثورتين التونسية والمصرية ها هو فاقع اللون في ما جرى بليبيا وما سيجري في سوريا واليمن..
-
رسالة إلى الثورات العربية:
-
أما الثورات العربية المنتشرة الآن في أكثر من بلد عربي فإنها ستجد في نهاية القذافي برهانا جديدا على إمكانية سقوط الأنظمة القمعية مهما بلغت ضراوة المواجهات معها.. كما أن ما تم نشره على شاشات التلفزيون يعتبر رسالة قاطعة الدلالة لتلك الأنظمة.. مما يعني أن معاملات معنوية جديدة دخلت حلبة الصراع..
-
وعلى وقع الحدث المدوي ستصعد الثورات في اليمن وسوريا من فعالياتها، وإن كان الغرب له سيناريوهات أخرى في هذين البلدين الاستراتيجيين.. إلا أن النهاية معروفة تماما متمثلة ببداية مرحلة أخرى سيسهم النظامان بشكل غير مباشر في تشكيل طبيعتها.. ويصبح من الضروري لو كان في القوم رجل رشيد إبداء التنازلات للشعب سريعا بما فيه الكفاية لإنقاذ البلد من حروب طاحنة وتدخلات أجنبية ليس من السهل الفكاك منها.
-
لقد ضاقت الشعوب ذرعا بحكام يتوارثون الحكم ويستبدون به لعشرات السنين ويقمعون حريات الصحافة وتعدد الرأي ويقمعون بعنف كل مخالف في وجهة النظر ويكرسون أهلهم في مقاليد الحكم ويبددون الثروات تلبية لنزواتهم.. ولم يعد بإمكان الناس التحمل أكثر مما تحملوا ولقد انطلقت ثورات غضبهم، وها هي تطيح بالحكام المعاندين الواحد تلو الآخر.. وها هم يدفعون الثمن من دماء أبنائهم في الشوارع وفي حلبات التعذيب، وهم لهذا لن يتراجعوا عن رحيل تلك الأنظمة المستبدة وهم لن يلتفتوا إلى لون اليد الممتدة لمساعدتهم، ولن يدققوا في أهداف المؤيدين لهم لأن كل شر في تصورهم اقل من شر وجود هؤلاء المستبدين، وبالنسبة لهم ليس هذا وقت التدقيق في النوايا فيما الدم والقمع عنوان المرحلة.
-
إن ثورات الشعوب في بعض بلداننا العربية ستجد في نهاية القذافي محفزا لتصعيد إضافي لفعالياتها، فهل تجد أنظمة تلك البلدان في هذه النهاية الفاجعة ما يدفعها لتنازلات جوهرية لصالح الشعب وقطع الطريق عن الغربيين المتربصين؟؟ هل يتحرك العرب لإحداث المصالحة بين أولئك الحكام وشعوبهم حتى لو أدى الأمر إلى تنازل الحاكم عن سلطته؟ هل يتحرك العرب لقطع الطريق على الغربيين وإنقاذ بلداننا من جشع الشركات الغربية وأجهزة الأمن الغربية؟ إنها أسئلة ثقيلة، ولكن هل من مستمع؟؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.