حتى لا نُكسى لباس الجوع والخوف
حالة من الخوف والترقّب انتابت الطّبقة الكادحة من الجزائريين خلال الأشهر الأخيرة، عقب الانخفاض الحادّ الذي عرفته أسعار البترول؛ الذي تزامن مع تصاعد ملحوظ لوتيرة جرائم القتل والاختطاف. خوف امتزج باستهجان كبير للتلكؤ الغريب الذي يبديه المسؤولون في وضع خطة عاجلة لوقف الانحدار المتسارع نحو أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، ربّما تنسي الجزائريين البحبوحة المالية التي عاشوها بُعيد العشرية السّوداء.
لقد كان المفترض في حقّ أولياء الأمور أن يسارعوا إلى تدارك ما يمكن تداركه، وتفادي ما يمكن تفاديه من تداعيات سياسة توزيع الرّيع التي أصرّوا على انتهاجها رغم تحذيرات الخبراء والمصلحين، ويبادروا إلى تجنيب البلد حصاد الإسراف الذي فاق المعقول والمقبول، وحوّل البلد إلى ساحة للمهرجانات التي تتكاثر عاما بعد عام، وللمشاريع التي تبدأ أشغالها ولا تنتهي، وتنفق عليها أموال تضاهي الميزانيات السنوية لبعض الدّول.
المسؤولون يتحمّلون تبعات هذه السياسات، وهم أوّل المطالبين بإيجاد الحلول النّاجعة والعاجلة لتجنيب البلد أزمة لا يُدرى أوّلها ولا آخرها، لكنّ هذا لا يُعفي المجتمع من تحمّل جزءٍ كبير من أسباب هذا الانحدار. وهو مدعوّ إلى وقفات مراجعة تتمخّض عن قرارات صادقة تجعل كلّ فرد من أفراده يتحمّل مسؤوليته في تصحيح الأوضاع.
لقد فتح الله –تبارك وتعالى– علينا في هذا البلد بُعيد العشرية السّوداء أبواب فضله وأغدق علينا من نعمه؛ فتضاعفت الأجور والمرتّبات، وتوسّعت أرباح التّجارات، وأُغدقت المنح والتّعويضات على الموظّفين والموظّفات، وفتحت المناصب الدّائمة والمؤقّتة في الإدارات والمؤسّسات، وتعدّدت المداخيل في الأسرة الواحدة؛ الزّوج والزّوجة يتقاضى كلّ منهما راتبا منتظما، والأبناء الشّباب ظفروا بعقود تشغيل مؤقّتة، تدرّ عليهم رواتب نظر إليها الغالبية منهم على أنّها منح لا تستدعي تقديم أيّ جهد، بل ولا تتطلّب الحضور في مكان العمل، وتغني عن كلّ ذلك شهادةُ زور يوقّعها المسؤول المباشر تفيد بأنّ المعنيّ دائم الحضور!
تحسّنت الأوضاع المادية لأكثر العائلات، وصرنا نطالع على صفحات الجرائد إحصاءات تتحدّث عن الأعداد الكبيرة للجزائريين الذين يتوافدون على منتجعات تونس وتركيا، وعن بعض المترفين الذين يُحيون احتفالات الميلاد ورأس السّنة في أرقى الفنادق داخل الوطن وخارجه، فضلا عن الأسر التي تنفق الملايين في حفلات الأعراس وفي تكاليف “شهر العسل“! ونطالع إحصاءات مفزعة عن أطنان الأطعمة التي تلقى في المزابل كلّ يوم، ونرى كيف تجد مهرجانات “الراي” والغناء التافه من يدفع آلاف الدنانير لحضور فعالياتها، ونسمع على صعيد آخر بعشرات الآلاف ممّن يملكون المليارات ولا يخرجون زكاة أموالهم، وعمّن يحجّون كلّ عام إلى باريس وتونس وإسطنبول ولم يحجّوا بيت الله الحرام ولو مرّة واحدة، ويغدقون في الإنفاق على الكماليات ويبخلون بشيء من أموالهم على بيوت الله وعلى الفقراء وأهل البلاء.
نسينا أنّ ما فتح الله به علينا من خيرات وبركات إنّما هو ابتلاء وامتحان، وبدل أن نسخّر نعمة الله فيما يحبّه ويرضاه ويعودُ علينا بالخير والنّفع في الدّنيا والآخرة، تخوّضنا في مال الله بغير حقّ، وتوسّعنا في المتع والملذّات؛ ولو كان هذا التوسّع مقصورا على المباحات لكان مقبولا وربّما محمودا، لكنّه كان في كثير من الأحيان فيما حرّم الله.
تداعى شبابنا على القروض الرّبوية التي سهّلت الدّولة الحصول عليها وتطوّعت وسائل الإعلام للتّرويج لها، وصارت الـ“أونساج” ومشتقاتها وأخواتها قِبلة لقطاع عريض من الشّباب الذين زادوا الطين بلّة حينما تحايل كثير منهم في استغلال تلك القروض وحوّلوا أموالها عن وجهتها، واقتنوا بها السيارات الفارهة ليجوبوا بها الشّوارع ويصطادوا الغافلات من الفتيات، وما حصل مع القروض الرّبوية حصل أيضا مع أموال الدّعم الفلاحيّ التي حوّلت عن وجهتها، وتمّ استغلالها في مآرب أخرى.
لقد حذّر الله جلّ وعلا من تسخير نعمه في معصيته، فقال: ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون)) (النّحل 112)، وسنّة الله لم ولن تحابي أحدا، فما من أمّة فُتحت لها بركات السّماء والأرض، فعلت في الأرض، إلا سلّط الله عليها عقابه الذي يعمّ من أفسد في الأرض ومن سكت عن الفساد، ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب)) (الأنفال، 25).
إنّنا جميعا مدعوون لأن نراجع أحوالنا، ونصحّح علاقتنا بمولانا وخالقنا، ونصلح في أرضه التي لا تتوانى عن إخراج خيراتها وبركاتها للصّالحين المصلحين، ((وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْض))، ومطالبون اليوم قبل الغد وأكثر من أيّ وقت مضى بأن نشمّر عن سواعد الجدّ ونهجر العطالة، وننبذ الكسل ونطلّق البطالة، ونربّي أنفسنا على أنّ الأخذ لا بدّ أن يسبقه العطاء، وأنّ الرّاحة لا بدّ أن يسبقها العناء، فليس مقبولا أن نتحوّل جميعا إلى أيد تأخذ ولا تدفع، وأفواه تطالب وتبلع، ونثني سواعدنا ونجلس للانتقاد والتّنظير، وليس مقبولا أن يتحوّل الموظّفون في الإدارات والمؤسّسات إلى متقاعدين قبل التقاعد، وتتحوّل أماكن العمل إلى مقاه لارتشاف القهوة وتعاطي السّجائر وقراءة الجرائد وحلّ الكلمات السّهمية!