“حرب تموز” تقْتَنِص أحمد مستجير (1934-2006)
استمر عدوان إسرائيل على لبنان خلال “حرب تموز” 34 يوما عام 2006، وراح ضحيتها أزيد من ألف مدني لبناني، ونزح من الجنوب قرابة مليون نسمة، ناهيك عن المفقودين والمصابين. وقُتل أكثر من 150 إسرائليا، معظمهم من الجيش الصهيوني. وأثناء تلك الحرب شنّت إسرائيل غارات جوية مدمّرة على البنية التحتية والاقتصادية للبنان، جنوبه ووسطه، وقصفت مطار بيروت وموانئ وجسور وشبكات الكهرباء في البلاد. والسبب الرئيسي وراء هذه الأعمال الهمجية هو رغبة إسرائيل في استعادة أسيريْن بالقوة، لكنها فشلت في مسعاها… وهو ما اعتُبر هزيمة نكراء، عسكرية وسياسية، مُنِي بها المعتدي.
كان الأستاذ أحمد مستجير، مثل ملايين البشر عبر العالم، يجلس في صائفة 2006 أمام شاشة التلفزيون ويتابع أخبار هذا العدوان الإسرائيلي على لبنان، ويتألم بما يشاهد من الصور المفزعة والمجازر الوحشية والدمار الهائل فتفجرت شرايين دماغه، ولم يلبث أن فارق الحياة. كان ذلك يوم الأربعاء 16 أوت.
أحمد مستجير: بين السنابل والكتب
وُلد أحمد مستجير في ديسمبر 1934 بمحافظة الدقهلية (مصر). وأحب الزراعة والريف، وجمع بين علوم الوراثة وشغف الأدب، حتى لقبه البعض بـ”الأديب المتنكّر في صورة عالم”. كان يصف نفسه بالعبارات: “أنا في الحق مُوزعٌ بين شاطئين كلاهما خصب وثري، أجلس على شاطئ، وأستعذب التأمل في الآخر.. وأعرف أن الفن أنا، والعلم نحن، ذبت في الـ نحن وأحنّ إلى الأنا، وأعرف أن الفن هو القلق وأن العلم هو الطمأنينة؛ فأنا مطمئن أرنو إلى القلق.”
تأثر أحمد بوالده، المدرِّس وصديق الأديب كامل الكيلاني (1897-1959)، فقرأ منذ صغره لمصطفى صادق الرافعي (1880-1937) ومصطفى المنفلوطي (1876-1924) وجرجي زيدان (1861-1914). واختار دراسة الزراعة في جامعة القاهرة، وتخصص في علم الوراثة، وحصل على الماجستير عام 1958، ثم الدكتوراه من جامعة إدنبرة البريطانية عام 1963.
وكان مستجير في جامعة القاهرة أستاذا متواضعا ذا مكانة عالية يستمع إلى مخاطبه أكثر مما يتكلم. وتخرجت على يديه أجيال متلاحقة من العلماء والباحثين، وكان مفكرًا أسهم بالقلم والكلمة في مختلف القضايا المصيرية المثارة على ساحة الفكر ووسائل الإعلام المختلفة. وقد ألّف 18 كتابا في علم الوراثة، وترجم 41 كتابا في العلوم والفلسفة والأدب، وأسهم بجهد كبير في تعريب العلوم، معتبرا أن تدريس الطب والزراعة بالعربية ضرورة حضارية.
ويلاحظ في هذا السياق أنه شُرِع في تدريس علم الوراثة باللغة العربية دون مشاكل متعلقة بالمصطلحات في كلية الزراعة بجامعة القاهرة خلال ثلاثينيات القرن الماضي، ولم تمثل اللغة أي عائق. ثم يشرح: “… وعندما سافرنا وقتها في بعثات إلى أوروبا وأمريكا لم نُصَب بدهشة لأن الدراسة بالعربية كان يوازيها استيعاب واف وتتبع دقيق للمصطلحات الأنكليزية، وهذا ما نطالب به الآن”. كما شغل أحمد مستجير مناصب أكاديمية بارزة، منها عمادة كلية الزراعة بجامعة القاهرة (1986-1995)، وكان عضوا في مجمع اللغة العربية، ومؤسسات علمية وثقافية عديدة. ومن جهة أخرى، حصل في مصر على جوائز مرموقة خلال عقدين، منها وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى (مرتين)، وجائزة أفضل كتاب علمي مترجم، وجائزة الإبداع العلمي، وجائزة أفضل كتاب علمي (مرتين)، وجائزة الدولة التقديرية لعلوم الزراعة، وجائزة أفضل عمل ثقافي، وجائزة أفضل كتاب، وغيرها.
كان مستجير يرفض فكرة أن اللغة العربية عاجزة عن استيعاب العلوم الحديثة، ودعا الأساتذة إلى أن يكونوا روادا في نحت المصطلحات، لا ناقلين للمناهج الأجنبية. كما نادى بترجمة الكتب العلمية الموجهة للجمهور، لرفع الوعي العلمي في المجتمع العربي محذرا من الأمية العلمية ومن خطر هيمنة الثقافة الأدبية على حساب الثقافة العلمية. وبعيدا عن المخابر، كان أحمد مستجير شاعرا أصدر ديوانين، إذ آمن بأن الفن والعلم وجهان لعملة واحدة، وأن الجمال يمكن أن يولد من المعادلات كما يولد من القصائد.
أحمد مستجير: العالِم الإنساني
تأثر أحمد مستجير أيما تأثر بما يحدث من مجاعات عبر العالم خلال حياته، وكان يردّد دوما: “في عالمنا الآن أطفال يولدون للشقاء، لليل طويل بلا نهاية! في جعبة العلم الكثير الكثير، في جعبته طعام وبسمة لكل فم”. وكان له اعتقاد راسخ بأن العلم قادر على توفير الغذاء لهؤلاء المساكين بتطوير الزراعة، واكتشاف أنواع جديدة من المحاصيل والإنتاج الحيواني. وقد أدى ذلك بأحمد ـمستجير إلى تأسيس مركز علوم الوراثة بـمصر، وأصبح رائد علم الهندسة الوراثية في مصر والعالم العربي. ومن أرائه بهذا الصدد، نقرأ: “… الإنجاز العلمي العبقري الذي حققته شركة دلتا [في مصر] ينهي الحق الطبيعي الذي منحه الله للإنسان في كل مكان: أن يَزرعَ لإطعام نفسه والآخرين … إنها القرصنة البيولوجية… كان الاستعمار القديم يستولي على الأرض، أما الاستعمار الجديد، فيستولي على الحياة نفسها”.
وقف أحمد مستجير ضد ما سمّاه “القرصنة الوراثية” التي تمارسها شركات البذور العالمية، وحذّر من “بذور الشيطان” التي تمنع الفلاحين من إعادة زراعة محاصيلهم. كان يرى في البيوتكنولوجيا أداة لمكافحة الفقر والجوع، لا وسيلة لاحتكار الغذاء؛ فهي تتضمن زراعة الأنسجة ودمج الخلايا والهندسة الوراثية. ومن المعلوم أن استخدامها يسمح بإنتاج نبات يقاوم الأمراض والملوحة ويتميّز بمحصول وفير. ولما كان معظم سكان المعمورة يعتمدون في غذائهم على القمح والأرز فقد شرع أحمد مستجير في استخراج سلالات من القمح والأرز تتحمل الملوحة والجفاف. يقول مستجير بهذا الشأن: “إننا نتبنى حاليا التكنولوجيات التي تصلح لحلّ مشاكلنا الخاصة ببلادنا، فلو عرفنا الاستغلال الأمثل لمياه البحر في الرّي، لتمكنّا من إنتاج أصناف من المحاصيل الزراعية التي تتحمل الملوحة والجفاف”.
ومع ذلك فالمرحوم أحمد مستجير لم يودّع الحياة في مخبره أو بين رفوف كتبه، وإنما غادرها وهو غارق في تأمل صور أطفال الجنوب اللبناني تحت القصف. رحيله كان خسارة لعالِم متمكن في مجاله، وواعٍ بقضايا أمته، والأكثر من ذلك أنه كان صرخة صامتة في وجه الهمجية التي تفتك بالبشر في شتى بقاع الأرض، وعلى رأسها غزة الجريحة. ولهذا، يبقى الترحم على روحه الطيبة، في هذا اليوم، تعبيرًا عن الامتنان لرجل كرّس حياته للعلم وخدمة الإنسانية.