حرب “داعش”..والخبراء..
لم “يهدر” من الكلام أكثر، ومما أهدره “الخبراء” هذه الأيام في شأن ” الجماعات الإسلامية المسلحة”. يأتي هذا الهدير وهذا الإهدار اللغوي، بعد خلط الأوراق في بلاد “الرافضين” وبلاد الشام والمشرق إثر النتائج التي نجمت عن الانتفاضة السورية التي لم تحسم بعد، أو بالأحرى التي لم ولا يراد لها أن تحسم، خوفا من السيناريو الليبي ومن أي تحسب لم يحسب له حساب.
كل الخبراء كانوا يرون في ما سمي بالقاعدة، الاستثناء الوحيد في “السلفية الجهادية” التي تتبنى التطرف الديني وتلجأ إلى الإرهاب لتنفيذ مشروعها السياسي. غير أنه مع ظهور تنظيمات جديدة بمسميات جديدة قديمة، اتضح لهم أن “القاعدة” ليست الاستثناء، وأن كل الحركات الجهادية هي “قاعدة”، لأن برنامجها واحد لا يستمد بالضرورة من تنظيم إسلامي بعينه! لهذا، بدأ الخبراء يفرقون بين الإسلام والمسلم من جهة وبين الأفراد والجماعات الإسلامية. فقد اتضح أن الظروف السياسية المتشابهة والمتأزمة هي التي تخلق الجماعات المتشابهة، المسلحة المتطرفة والفرق الدينية من غلاة التكفيرية، وليس بالضرورة أن يخرج هذا من تحت عباءة هذا أو أن يكون هذا هو من أنجب ذاك، وصولا إلى فكرة يريد النظام المصري الحالي أن يسوقها عبر السعودية والإمارات، والتي مفادها أن الإخوان المسلمون تنظيم إرهابي. فهو يحاول أن يسوق فكرة مشوهة مفادها أن كل الحركات الإسلامية خرجت من تحت معطف هذه الجماعة!، تماما مثل ما نقول أن كل البشر هم من أدام، وعليه فآدم هو المسئول عن كل هذه الفعال الشريرة. السلفية الجهادية، إنما هي من كانت وراء إنتاج تنظيم مثل تنظيم القاعدة وبن لادن وغيرهم! وفقط من خلال إحصاء للأسماء والتنظيمات، يستطيع المتتبع أن يعرف من كان وراء العمليات الجهادية في العالم: السلفية الوهابية أم الإخوان المسلمون! فعلى العكس تماما، كان الإخوان المسلمون في العالم كله بما في ذلك الجزائر (حماس، قياسا بالفيس مثلا)، هم المتهمون بالتواطؤ مع الحكم، تماما مثل السلفية المصرية وبعض من سلفيي المملكة العربية السعودية الذين يقفون مع السلطة ضد المنظمات المتطرفة.
أمام هذا الحراك، وجدت نفسي أعود لأعيش حياة القرن الأول: المسلمون وقد فتكت بهم الخلافات السياسية بسبب الأزمة التي عصفت بهم إثر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم والتي بدأت من يوم “سقيفة بني ساعدة الأنصاري”! داعش، تريد أن تبقي الخلافة في البيت العربي الأموي وتسقط كل التيارات المناوئة لها من شيعة علي وخوارج. القاعدة وقد انفرط عقدها إثر معركة صفين، تشتت وانقسمت حول نفسها ضد نفسها: الشيعة ضد الخوارج وداعش ضد الكل! الخوارج، يعملون على تصفية معاوية وعلي، بعد هزيمتهم على يدي شيعة علي في معركة “النهراوان” وسيفلحون في اغتيال الثاني ويفشلون مع الأول. وتدخل الحرب في “بلاد الشام والعراق” مجراها المريع! أبناء الحسن والحسين، وأبناء معاوية! الألم في الشام والدم في كربلاء. يزيد سيعمل على سفك دم الحسين ويفتك بأهله وعشيرته من آل البيت ويحمل أسرى الحسن إلى دمشق مصفدين. داعش تخلط الأوراق! من الخوارج الأزارقة اليوم ومن الأزارقة الصفرية ومن هم النفاثيون ومن هم الزيدية والشيعة الإسماعيلية والإثنى عشرية؟ ومن هم بنو أمية واليزيدية. ثم من هم اليوم بنو العباس الذين دخلوا الحرب مع “الدولة الإسلامية”! جماعة البعث والمقاومة العراقية التابعة للنظام السابق. إيران، الفارسية الشيعية التي تتدخل بشكل واضح في بلاد الشام والعراق لنصرة شيعة المالكي وصفويي العراق وسورية، لا تتواني في خلط الأوراق في لبنان بتدخل حزب الله في سوريا وإرباك النظام اللبناني الضعيف إثر أزمة سورية. الأميون في دمشق، يريدون التحالف التكتيكي مع النصرة لنصرة العروبة، لكن قريشا لا تتفاوض على البقاء، بل تتفاوض على أن تكون البديل! تدخل السعودية والإمارات وحتى قطر إلى جانب المقاومة الحرة غير المؤدلجة دينيا وسياسيا، لا يعني سوى دعم الحركات غير الدينية، خاصة العلمانية أو الحركة “الحر” التي لا تنتمي لتنظيم متطرف!. حالة من الإرباك يحدث الآن في بلاد الشام والعراق وبلاد المشرق عامة ولا يستبعد أن يصل إلى مصر بعد أو صل إلى ليبيا. حراك قد يدوم سنوات وسنوات إن لم نعرف عالميا كيف نتعامل مع الوضع المفجر لهذه الجماعات التي لم يعد بالإمكان السيطرة عليها أو التنبؤ بمستقبلها أو مسارها: القضية الفلسطينية! فكل شيئي أخد قوته من هذه البؤرة المتوترة. كل الحركات الإسلامية الجهادية والمسالمة والدعوية والسلفية العملية، تعتبر القضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني لبلاد فلسطين والاعتداءات والجراءئم المتكررة على غزة وشعبها الصامد، وما نجم عنه من تواطؤ أمريكي مع العدو الصهيوني بالمنطقة وتعاون وسكوت وتواطؤ بعد دول الجوار ومنها مصر والأردن بشكل ملفت، هو من سيبقى على “حرب داعش والغبراء” لأربعين سنة أخرى.
كنت أشاهد وأنا أعيش أحداث وأزمنة مختلفة ومتشابهة في نفس الوقت، كنت أشاهد نفس الأشخاص وقد بدلوا ألبستهم ووجوههم وأسماءهم! نفس التاريخ الهجري يعود مع التاريخ الميلادي. نفس الأسباب الطبقية والأصول الطائفية القبيلة الحضارية التاريخية تعود: الصراع الساساني العربي، الصراع بين الغساسنة والمناذرة، التواطؤ مع البيزنطيين والساسانيين للتدخل في أرض العرب من أجل السيطرة على الممرات البحرية التجارية: الخليج الفارسي الذي يسمى اليوم عربيا “الخليج العربي” فيما لا يزال يسمى فارسيا وفرنسيا وإنجليزيا بالخليج الفارسي. البحر الأحمر، النيل، البحر الأبيض المتوسط. الكل يريد أن يعيد أمجاده ويوظف الشعوبية البغيضة، وهذا من كلا الطرفين: الفارسي والعربي.
وجدت نفسي لا أعرف من أين أبدا ولا إلى أين أنتهي، في خضم هذا الخليط من الصور والتقاطعات ما بين الأسوار التي تفصل بين العالمين الهجري القديم والميلادي الحديث.
وأفيق على فحيح ريح محرقة جديدة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وفي الخيمات، فيما يخيم سكون الموتى على العواصم “العبرية” والاستسلامية..