-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حربٌ‮ ‬فكرية باريسية على ظهر المهاجرين في‮ ‬زمن الأقصى المباح

بوعلام رمضاني
  • 1388
  • 0
حربٌ‮ ‬فكرية باريسية على ظهر المهاجرين في‮ ‬زمن الأقصى المباح

لم تعد حقيقة تراجع الحس الإنساني‮ ‬العابر للحدود عند المثقفين الإعلاميين الفرنسيين مسألة تحتمل الحد الأدنى من الشك،‮ ‬ويتمثل الخطر الأول والأخير العاصف بالحضارة الأوروبية والعالمية في‮ ‬نظر الكثير منهم في‮ ‬الهجرة بوجه عام والإسلام بوجه خاص كما ردد شيخ ومؤسس الجبهة الوطنية جان ماري‮ ‬لوبان الذي‮ ‬فقد سكينه في‮ ‬الجزائر حينما كان ضابطا،‮ ‬وكما تردد ابنته مارين التي‮ ‬جددت خطاب والدها بروتوشات تكتيكية مخادعة لكنها لم تغير شيئا من جوهر العقيدة اللوبانية العنصرية‮.‬

هذه العقيدة التي‮ ‬تطغى على الحياة السياسية في‮ ‬فرنسا،‮ ‬وفي‮ ‬عدد‮ ‬غير قليل من البلدان الأوروبية في‮ ‬الأعوام الأخيرة،‮ ‬والتي‮ ‬اتخذت طابعا وجوديا وعبثيا رهيبا‮ ‬غير مسبوق في‮ ‬سياق مأساة اللاجئين المستمرة،‮ ‬لم تعد حبيسة صراع السياسيين المكيافيليين بطبيعتهم،‮ ‬وطالت رموز النخبة الفكرية بجميع حساسياتها والاستثناءات التي‮ ‬يمثلها بعض المفكرين الكبار المهمشين الحقيقيين ـ من أمثال إدغار موران وآلان باديو وبرتران بادي‮ ‬وريجيس دبري‮ ‬ـ لا تغير شيئا من الحرب التي‮ ‬اندلعت مؤخرا بين المثقفين الإعلاميين الذين أطلق عليهم المفكر السياسي‮ ‬الجريء والمهمش هو الآخر باسكال بونيفاس وصف‮ “‬المثقفين المزيفين‮” ‬في‮ ‬كتاب رفضته‮ ‬14‮ ‬دار نشر فرنسية وطبعته دار مجهولة بشق النفس‮.‬

واتخذت الحرب الفكرية المذكورة بعدا جديدا‮ ‬غير معهود في‮ ‬الأيام القليلة الماضية بعد خروج الفيلسوف ميشال أوفري،‮ ‬المحسوب على‮ ‬يسار اليسار الوردي،‮ ‬عن صمته بعد أن اتهمه الصحفي‮ ‬لوران جوفران مدير تحرير جريدة‮ “‬ليبراسيون‮” ‬بتزكية أطروحات اليمين المتطرف ومن بينها المتعلقة بوحدة أوروبية تمت في‮ ‬نظرهم على حساب سيادة وسعادة واستقلال الشعب الفرنسي‮ ‬وضحّت بقيمه الحضارية والاقتصادية والثقافية الوطنية الخالصة والصافية،‮ ‬كما سبق وأن نددت بذلك قبل أوفري‮ ‬منذ سنين جماعة ألان فينكلكروت وإريك زمور وإليزابيت ليفي‮ ‬وإيفان‮ ‬يوفول والكسي‮ ‬بريزي‮ ‬وفرانتز جيزبيرغ‮ ‬وجان كريستوف‮ ‬غييو‮…‬

‭ ‬والتحق بالركب مؤخرا المؤرخ إيمانويل طود بشكل نّوه به قادة الجبهة الوطنية التي‮ ‬تستعد لتعميق تمددها الفكري‮ ‬في‮ ‬أوسط الرموز الفكرية المذكورة في‮ ‬ظل توقعات المراقبين الذين‮ ‬ينتظرون فوزها بالاستحقاقات الانتخابية الجهوية المزمع تنظيمها في‮ ‬نهاية السنة الجارية‮.‬

‭‬مأساة الكثير من المثقفين العرب الطلائعيين المؤمنين بالجدلية التاريخية وبالأطروحات الفكرية الحديثة‮ ‬غير الدينية،‮ ‬هم أنفسهم الذين‮ ‬يدوسون عليها بإصرارهم على تفضيل كل نظم البطش‮ ‬غير الإسلامية ورفضهم تفسير الظاهرة الإسلامية ضمن صيرورة تاريخية كما‮ ‬يفعلون حيال اتجاهات وظواهر أخرى‮. ‬

الحرب الفكرية التي‮ ‬شنها في‮ ‬صحيفة‮ “‬لوموند‮” ‬عددٌ‮ ‬من المفكرين والصحفيين اليساريين على المفكر ميشال أوفري‮ ‬ـ مؤسسة جامعة كون الفكرية وصاحب كتاب‮ “‬بحثٌ‮ ‬في‮ ‬الإلحاد‮” ‬ومقدس نيتشه وألبير كامو الذي‮ ‬فضل أمه على عدالة نضال الشعب الجزائري‮ ‬ومقوض فكر فرويد ـ‮  “‬اشتعلت أكثر وأخلطت الأوراق الإيديولوجية حينما وجد أوفري‮ ‬في‮ ‬موقف الاقتصادي‮ ‬القريب من الجبهة اليسارية الراديكالية جاك سبير فرصة ذهبية لتأكيد عدم تناقضه الفكري‮ ‬مع أطروحات اليمين المتطرف الذي‮ ‬قال إنه تمكن من تعرية فكر اليسار الوردي‮ ‬والمخملي‮ ‬المسيطر،‮ ‬وعرف كيف‮ ‬يتحدث عن الشعب الفرنسي‮ ‬البسيط الذي‮ ‬طحنته الآلة الأوروبية وتسبّبت في‮ ‬ضياع سيادته الوطنية‮.‬

‭ ‬إن اللافت للانتباه في‮ ‬الحرب الفكرية النظرية بين اليسار واليمين،‮ ‬واليمين المتطرف واليسار المتطرف،‮ ‬والحساسيات الفرعية الأخرى المنضوية تحت اليافطات الإيديولوجية الكبيرة،‮ ‬أنها تبقى منحصرة في‮ ‬معظم الأحيان بين القطبين المسيطرين على الحياة السياسية والفكرية منذ عدة عقود من منطلق التصارع حول المشكلات الفرنسية الداخلية المحضة،‮ ‬وأصبحت هذه الحرب اليوم‮ ‬غير تقليدية كما كانت في‮ ‬السابق بعد أن دخل تيارُ‮ ‬اليمين المتطرف على خطوط جبهات التقاتل السياسي‮ ‬والفكري‮ ‬إثر السقوط المروّع للقطبين التقليديين وعجزهما عن إيجاد الحلول لأزمات الشعب الفرنسي‮ ‬من منظور‮  ‬سيادي‮. ‬

وزاد الخطاب السيادي‮ ‬من قوته النظرية والعملية في‮ ‬سياق عالمي‮ ‬جعل من عنوانيْ‮ ‬خطريْ‮ ‬الهجرة التي‮ ‬أضحت عبئا على أوروبا في‮ ‬نظر معظم المثقفين‮ ‬يسارا ويمينا،‮ ‬والإسلام الذي‮ ‬أضحى تهديدا للصفاء الحضاري‮ ‬الأوروبي‮ ‬وللوحدة الثقافية والتاريخية والدينية،‮ ‬الورقة الأكثر رواجا في‮ ‬دكاكين إعلامية أصبحت منابر لمفكّرين‮ ‬يتناقضون إيديولوجياً‮ ‬على الصعيد المحلي‮ ‬ويتفقون ويلتقون حول أطروحات اليمين المتطرف الذي‮ ‬يعتبر عدوّهما المشترك ظاهريا في‮ ‬الوقت ذاته،‮ ‬وخاصة حينما‮ ‬يتعلق الأمر بتأويل الإرهاب العالمي‮ ‬الذي‮ ‬ضرب فرنسا وكان وراء إجماع وطني‮ ‬إثر الاعتداء على صحيفة‮ “‬شارلي‮ ‬إيبدو‮” ‬في‮ ‬شكل حادي‮ ‬عشر سبتمبر ثان كما كُتب في‮ ‬الصحافة الفرنسية‮. ‬

تفسير الأقوى سياسيا وفكريا وإعلاميا وتكنولوجيا وعسكريا واقتصاديا للإرهاب بشكل لا‮ ‬ينطبق على الحرب التي‮ ‬تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني‮ ‬الملاحَق في‮ ‬حميميته الدينية المقدّسة في‮ ‬المسجد الأقصى المباح والمنسي‮ ‬لتداعيات الهجرة التي‮ ‬دفعت بآلاف اللاجئين للجوء إلى أوروبا مسيحية فشلت في‮ ‬تحقيق وحدة منسجمة وناجحة اقتصاديا في‮ ‬نظر السياديين أصحاب الفكر الوطني‮ ‬السيادي،‮ ‬كلها معطيات أذابت الحدود والاختلافات النظرية التي‮ ‬ميزت‮ ‬يسارا تقليديا متشبّعا بالفكر الإنساني‮ ‬وبين‮ ‬يمين محافظ ومنغلق تاريخيا،‮ ‬وعليه ليس من الغريب أن‮ ‬يُسوّق عالميا خطاب التخويف من إرهاب واحد محسوب على مسلمين ومهاجرين عرب‮ ‬يهدّدون الحضارة اليهودية المسيحية‮ ‬غير الإرهابية في‮ ‬نظر مفكرين فرنسيين وأوروبيين وحتى عالميين من كافة التيارات المتصارعة محليا كما أسلفنا الذكر والمتفقة خارجيا‮. ‬

الأدهى والأمرّ‮ ‬أن هذا الخطاب الذي‮ ‬أصبح‮ ‬يجمع المتناقضين فكريا في‮ ‬العالمين الأنجلوساكسوني‮ ‬والأوروبي‮ ‬على السواء بدرجات متفاوتة،‮ ‬قد امتد إلى مفكرين وأدباء عرب‮ ‬يدّعون الدفاع عن القيم الإنسانية،‮ ‬ومن بينهم الجزائري‮ ‬بوعلام صنصال،‮ ‬المرشح لكل الجوائز الفرنسية،‮ ‬ولجائزة‮ “‬نوبل‮” ‬حسب ما قاله لنا الشاعر الكبير الفرنسي‮ ‬اللبناني‮ ‬الأصل صلاح ستيتيي‮ ‬في‮ ‬حديث صحفي‮ ‬ليس ككل الأحاديث‮. ‬

بوعلام صنصال الذي‮ ‬يصنع الحدث الأدبي‮ ‬اليوم في‮ ‬كثير من البلدان الغربية،‮ ‬ومن بينها ألمانيا وفرنسا،‮ ‬يعد حلقة جديدة في‮ ‬مسلسل روائيين وكتّاب عرب كثر باركوا الانقلابات على الإسلاميين السلميين الذين فازوا بانتخابات ديمقراطية‮  ‬نزيهة وشفافة في‮ ‬أكثر من بلد عربي،‮ ‬لكنهم اعتبروا خطرا على الديمقراطية في‮ ‬نظر الكثير من المثقفين اليساريين والليبراليين واليمينيين والفوضويين،‮ ‬علما أن بعضهم ذاقوا طعم التعذيب في‮ ‬سجون الأنظمة التي‮ ‬قمعت إسلاميين وشيوعيين،‮ ‬وآخرين رفضوا تسلّطها ومن بينهم الروائي‮ ‬الكبير صنع الله إبراهيم الذي‮ ‬صعقني‮ ‬بقوله في‮ ‬صالون جنيف الدولي‮ ‬إن الأوضاع تحسّنت في‮ ‬مصر السيسي‮ ‬بفضل‮ “‬النجاح‮” ‬في‮ ‬محاربة الإسلاميين،‮ ‬علما أن الكثير من رفقاء دربه‮ ‬يرون أن عهد مبارك أرحم من عهد من‮ ‬يسجن كل من‮ ‬يعارضه حتى وإن كان من‮ ‬غير الإسلاميين‮.‬

مأساة الكثير من المثقفين العرب الطلائعيين المؤمنين بالجدلية التاريخية وبالأطروحات الفكرية الحديثة‮ ‬غير الدينية،‮ ‬هم أنفسهم الذين‮ ‬يدوسون عليها بإصرارهم على تفضيل كل نظم البطش‮ ‬غير الإسلامية ورفضهم تفسير الظاهرة الإسلامية ضمن صيرورة تاريخية كما‮ ‬يفعلون حيال اتجاهات وظواهر أخرى‮. ‬

الشيء نفسه‮ ‬يقوم به مثقفو باريس اليوم حيال المهاجرين والإسلام،‮ ‬والكثير منهم مثلا عُرفوا بتمجيدهم للرئيس التونسي‮ ‬بن علي‮ ‬على ضفاف الشواطئ الخلابة في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬كانت فيه تونس سجنا في‮ ‬الهواء الطلق‮. ‬معظم المثقفين العرب الذين‮ ‬يصرّون على إخراج التوجّهات الإسلامية من دائرة التحليل الجدلي‮ ‬ولا‮ ‬يعترفون بفشلهم الفكري‮ ‬حيال الجماهير التي‮ ‬تحدّثوا وكتبوا باسمها لعقود،‮ ‬يساعدون إسرائيل على قتل الإنسانية في‮ ‬فلسطين المسجد الأقصى المنسي‮ ‬والمباح بغض النظر عن مرجعيته الدينية على مرأى ومسمع مثقفين عالميين وأوروبيين جعلوا من التنديد بالإرهاب الإسلامي‮ ‬فقط تجارة مربحة في‮ ‬سوق‮  ‬إيديولوجية الأقوى الذي‮ ‬يكتب التاريخ ويفسر الظواهر والمفاهيم على مقاسه‮.‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • الجزائري

    شكرا استاذ على المقال وعلى التحليل الموضوعي....
    ان الحضارة الغربية بكل مقوماتها قد طوعت و قولبت ( اي وضعت في قالب) الصهيونية العالمية, العدوة الاولى للاسلام والمسلمين .لقد تذوب كل الاتجاهات الغربية يسارية او يمينية عندما يكون المقابل الاسلام والمسلمين, اضافة الى تتبع المعسكر الشرقي ( الروس والصين ) نفس الخطوات.
    و التاريخ يعيد نفسه; والفرق هذه المرة هو استبدال الحركة الاستعمارية في القرن 18 بالحركة الصهيونية العالمية وعلى راسها دولة اسرائيل راس الحربة, كما كانت في الاولى بريطانيا الاستعمارية

  • هشام

    تحليل رائع ياأستاذ