“حزب الله” في الدوامة
تناقلت وسائل اعلام عربية ودولية انباء عن تدخل حزب الله اللبناني في الاحداث الجارية في سوريا، ووصل التفصيل في ذلك الى حد القول انه تم إلقاء القبض على مجموعة مسلحة من حزب الله، وأن هناك عملية دفن تمت في البقاع لستة اشخاص من حزب الله قتلوا في سوريا..
-
وعلى الفور قام المسؤولون في حزب الله بتكذيب هذه الانباء مؤكدين انهم لا يتدخلون في شؤون الدول الداخلية وأنهم قادرون على الاعلان عن موقفهم بلا تردد..
-
هذه التهمة ليست جديدة، فقد سبق ان حملت وسائل الاعلام اتهامات لحزب الله بمشاركته في الاحداث الجارية في البحرين، وأنه يساند المحتجين الشيعة.. وأنكر حزب الله في حينها التهم الملقاة عليه.
-
يستنجد الحديث في هذا المقام بمنهج علمي بعيد عن الاهواء والعواطف لأنه يمس حقوق الناس وسمعتهم وحاضرهم ومستقبلهم، وأنه يحتاج كذلك الى حكمة ونباهة عالية، لأنه يمس مصير امتنا وحاضرها.. ولهذا لا بد من طرح عناصر الموضوع بهدوء..
-
اولا لا بد من الحسم بأن الشيعة مسلمون، وإن اختلفنا معهم في مسائل عديدة، وكل ذنب يقترفوه او نقترفه نحن انما عليهم او علينا وزره.. نحن جميعا اهل القبلة ونؤمن بالله وبالرسول وبالقرآن وبالفروض، ولا ينكر احدنا معلوما من الدين بالضرورة.. وكل تزيد عندهم او بدع لا تخرجهم من اطار الامة.. وهذا موقف العلماء والائمة الافذاذ في تاريخنا القديم والمعاصر..
-
حتى لو كانوا غير مسلمين.. أليس من حقهم الحياة الكريمة في وسط الامة، لهم كامل حقوقهم وعليهم واجباتهم نحوها في مشاركة كاملة كما اشار الاسلام لواقع غير المسلمين في المجتمعات الاسلامية.. اما القول بأن لديهم مشاريع مشبوهة، فالسؤال هنا هل هناك مشاريع اكثر شبهة من مشاريع حكام الخليج والمؤسسات التابعة لهم.. هل هناك ابشع من تصرفات حكام عرب “سنة” مهدوا للامريكان احتلال العراق وتدميره وقتل الملايين من اهله.. ووقعوا مع العدو الاسرائيلي اتفاقيات صلح إلى الابد..؟ هل هناك اكثر بشاعة من ثقافات مذهبية واجتهادات فقهية تفسخ المسلمين السنة وتثير في مجتمعاتهم الرعب؟
-
يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدة في السلوك السياسي عندما يقول: “دع ما يريبك الى ما لا يريبك” وسيرا على هدي هذه القاعدة، ماذا نرى في المشهد السياسي.. نرى ان حزب الله اللبناني قاتل اسرائيل شهرا كاملا كان القتال الاعنف في تاريخ اسرائيل، والذي اعاد الى اسرائيل الاسئلة الوجودية من جديد.. وكانت الامة كلها مع حزب الله.. لأنها في تلك اللحظات بحثت عن المشترك الذي يجمعها والشيعة ورأت فيه ينوب عنها في معركة الواجب في الحين الذي تطوع الحكام بشن الحرب الضروس على حزب الله واتهامه بتخريب البلاد وإهلاك العباد.
-
ومنذ تلك اللحظات بدأت المؤامرات المتنوعة على حزب الله لإسقاط ظاهرة نبيلة كريمة بزغت في الامة.. ومن هذه المؤامرات الخبيثة ان يزج حزب الله في دوامة الدعاية الطائفية، وأن تلصق به تهم طائفية.. فكان موضوع البحرين.. وإذا سأل سائل بأي حجة تدافعون عن نظام الحكم الوراثي في البحرين حيث القواعد الامريكية والعلاقات مع اسرائيل ستسمع كلاما لا قيمة له وكأن ادعاء التسنن والعروبة ستارا لكي يكونوا ادلاء للاجنبي وأعداء للامة.
-
ان حزب الله اللبناني لا يخشى امريكا عندما يعلن عن مواقفه ولا يخشى عملاء امريكا عندما يقاتل اسرائيل.. ثم ان امريكا وعملاءها لا يمكن ان يتركوه حتى لو اشعل اصابعه شمعا في امسياتهم الماجنة..
-
انهم يريدون اسقاط حزب الله في الدوامة ولن يستطيع حزب الله ان يصد عن نفسه تهما تتقاذف من مصانع الدعاية الامريكية، وكأن على حزب الله فقط ان يقاتل ويموت ابناؤه وتدمر قراه وبيوته فقط وحينذاك نصفق له ونقول اضرب اكثر وكأننا نشاهد فيلم مصارعة.. اما ان يكون له حق الوجود في حياتنا فلا؟!!
-
ان فقدان المعيار لدينا جعلنا في اضطراب من امرنا لا نفرق بين اخ وأجنبي وبين صديق وعدو.. انه باختصار كما اشار القرآن الكريم ان الله لا يمنعنا من البر لمن لا يقاتلنا ولا يظاهر على اخراجنا.. وهذا مع اهل الكتاب، فكيف مع اهل القبلة؟.. فلو تذكرنا ان لنا عدوا اسمه الحقد الصليبي ورأس حربته اسرائيل، وأن كل من يتحالف معه فهو في جبهة الاعداء، وان كل من يتصدى له فهو في جبهة الاخوة والاصدقاء والحلفاء.. لو التزمنا هذا المعيار لكنا اطهر وجدانا وأشرف مقصدا وأنبل هدفا.
-
والسؤال من جديد لماذا يشترك حزب الله اللبناني في احداث سورية..؟ نريد ان نطرح اسئلة ساذجة.. هل ينقص الدولة السورية اجهزة امنية وجيوش؟ ما هي قوة حزب الله البشرية حتى يتورط بقوته في حرب ضد الشعب السوري؟ هل حزب الله من الغباء بحيث يشترك في احداث داخلية لبلد مجاور يعرف حساسيات الموقف فيه؟
-
ثم هل الاحداث في سورية احداث طائفية؟ ام ان التصادم وقع بين نظام سياسي بأجهزته الامنية وبين شعب سوريا ولا علاقة للمسألة الطائفية في الموضوع.. فهل كان حسني مبارك من طائفة اخرى في مصر؟ وهل كان علي صالح من طائفة اخرى في اليمن؟ وهل كان ابن علي من طائفة اخرى في تونس؟
-
انه لمن العيب ان نبحث دائما عن نوازع الفرقة والفتن.. في سوريا مشكلات سياسية وأمنية مستعصية ولم يستطع النظام تفكيكها والتحرك بلباقة لاستيعاب التحديات فما دخل العلويين في ذلك او الشيعة..؟ وهذا الكلام لا يعني اننا نتفق مع الشيعة في تفاصيل الفروع، بل ان السنة غير متفقين في كثير من التفاصيل.. فالاختلافات بين الاشاعرة والسلفية ومدارسها يستوجب احيانا في ظل الجهل عداوات مستفحلة.. وأن احدنا ان نظر لنفسه في ظل فتاوى بعض السنة يرى نفسه مبتدعا مذموما مدحورا.. ولعل العقلاء من علماء الامة وليس انصاف المتعيلمين والمتفيقهين يدركون ان كل تلك الاختلافات يتحملها النص ولا ضرر.
-
حزب الله قاتل اسرائيل؛ أي بمعنى استراتيجي واضح ان حزب الله اخرج الشيعة من دور الهامشية التاريخية الى دور الخندق الامامي للامة.. حزب الله اذل اسرائيل وأعز العرب والمسلمين وأغاظ الامريكان، وأن هذا لعمري العمل الصالح الذي يرفعه الله ويكرمه.
-
ثم ان حزب الله لا يملك معالجة قضايا التاريخ المتعفنة بين الفرق الاسلامية، وليس مطلوبا منه.. ولكن المطلوب من الامة ان تحتضن حزب الله وتحميه، فهو سيف من سيوفها ضد اعدائها التاريخيين.