حضارة العرب “الحراڤة” في الأفق
يبدو أن العلوم الإنسانية الدولية بحاجة اليوم إلى فرع جديد من علم الاجتماع يمكن أن يطلق عليه علم اجتماع اللجوء العربي الدولي، أو إذا استعملنا المصطلح الجزائري يكون اسمه “علم الحراقة”، وسبب ذلك واضح؛ فمعظم اللاجئين في العالم هم من العرب، سواء كانوا لاجئين داخل أقطارهم ووطنهم العربي أو إلى أوروبا واستراليا وأمريكا. وقد صار يطلق عليهم – ومعهم بعض الأفارقة – في السنوات الأخيرة المهاجرين غير الشرعيين، وكلهم “حرقوا” باتجاه الدول الأكثر ديمقراطية والأكثر غنى والأكثر أمنا.
طبعا لن أناقش أسباب هذه الظاهرة، فكلها مطروحة في وسائل الإعلام العربي وغير العربي، وهي أسباب تعود كلها إلى فشل الدولة القطرية العربية في أن تكون دولة، فهي فشلت طوال القرن الماضي في التنمية وفي الديمقراطية، وظلت هذه الدول مخافر مهمتها قمع المواطن وإسكاته وهو ما تعتبره أمنا مستتبا، وهاهي تفشل حتى في مهمتها الأمنية هذه، ولم يعد هناك أي أمن سواء كان سياسيا أو اجتماعيا، والموجود الآن هو حرب إبادة وتصفيات عرقية وطائفية يقوم بها العرب ضد أنفسهم بشرا وثقافة ودينا.
لكن الإعلام العربي والدولي لا يقول: لماذا فشلت الدولة القُطرية العربية في أن تكون دولة؟ لأن الإجابة تدين دول الغرب كلها، فهذه الدول الفاشلة لم يصنعها المواطن العربي، بل دول الغرب نفسها.
إذن لماذا يهاجر العربي إليها؟
العرب تاريخيا ليسوا من الأمم المهاجرة وحتى في حين كانوا رحلا يحملون خيامهم على ظهر دوابهم، لم يبعدوا عن أرضهم، والوحيدون الذين أوغلوا في السفر، هم الفينيقيون، لكنهم يسافرون ويعودون.. وقلة من الفينيقيين التي استوطنت في المدن الأوروبية المشاطئة للمتوسط.
ولم تبدأ الهجرات بقصد الاستيطان إلا في القرن التاسع عشر، حيث أجبرهم الإستعباد التركي على الهجرة، وبدأت العملية بهجرة المسيحيين إلى الأمريكتين ثم تبعهم المسلمون، وتطورت هذه الحكاية بعد أن طرد الصهاينة اليهود بالتعاون مع المجتمع الدولي والدول العربية أيضاً، الفلسطينيين من أرضهم وفتحت لهم أبواب الهجرة إلى الأمريكيتين وأستراليا وأوروبا بقصد أن ينسوا فلسطين وتصبح خالصة لليهود في عملية من المخططات الإرهابية المغطاة بالعناوين الإنسانية التي لم تعد تقنع أحدا.
الحكاية لاتبدو بسيطة، ولاينفع فيها أن يدفن الغرب رأسه بالرمال، كما هو حاله اليوم، ولا يعرف القارئ الجزائري، وربما العربي أن في الولايات الأمريكية – وحدها – 315 بلدة أمريكية تحمل أسماء عربية، ونجد ثلاث مدن تحمل اسم “الجزائر“، وهي تقع في ثلاث ولايات مختلفة، ولاية ميشغن وولاية أوهايو بالإضافة إلى ولاية واشنطن. وهي كلها قرى صغيرة جدا لا يتجاوز فيها عدد سكانها العشرة آلاف عدا عن مدينة “قادر” التي سميت على الأمير عبد القادر ولها اتفاقية توأمة مع مدينة معسكر أين ولد الأمير. وهناك مالا يقل عن 420 موقعا أمريكيا يحمل تسميات عربية فمكة ودمشق وبغداد وقرطاج وبيت لحم وفلسطين.. وليس هناك دولة عربية ليس لها تسمية ما في أمريكا.. أما في أمريكا الجنوبية فحدث ولا حرج.
ولايقف الأمر عند حدود هذه التسميات الكثيرة، لكن ظهرت من هؤلاء المهاجرين شخصياتٌ سياسية وعلمية بارزة، ساهموا في تحرير دول أمريكا الجنوبية وبعضهم وصل إلى منصب الرئاسة كما هو حال السوري كارلوس منعم الذي حكم الأرجنتين، ومعروف أن الرئيس الأمريكي كلينتون أحد تلاميذ الدكتور هشام شرابي، أما ادوارد سعيد فهو أهمّ عالم اجتماع معاصر في أمريكا والعالم، ويعرف كل الناس عروبته ومواقفه في المجلس الوطني الفلسطيني خاصة الذي عُقد في الجزائر، وليس هناك حزب أمريكي ليس في قيادته عرب بل أن جورج بوش الابن كان العرب الأمريكيون من طاقم مستشاريه، وكذلك بريطانيا، فقيادات أحزاب العمال والمحافظين في المستوى الثالث وأحيانا الثاني هم من العرب العراقيين وغيرهم، وحتى فرنسا رغم ثقافتها العنصرية في العمق، فإن بعض المهاجرين من المغرب العربي شغلوا مناصب مرموقة.
ما الذي تريد أن تصل إليه؟ ربما يكون سائل منكم..
إن علينا أن تذكر أن معظم الشعوب الأوروبية والأمريكية والأسترالية هي شعوبٌ مهاجرة، فليس هناك دولة أوروبية واحدة لا يتكون شعبُها من مهاجرين، فماذا لو حكم عربي أو إفريقي دولة أوروبية أو أكثر كما هو حال أوباما الإفريقي في واشنطن؟ وما هو شكل النظام العالمي الذي سيكون؟ وماهو شكل أوروبا القادم التي يقتحمها “الحراقة” العرب والمسلمون؟ وما هو موقع اليهود في هذه الدورة الحضارية القادمة التي قد يصنعها الحراڤة العرب والمسلمون؟