حق النقض لم يحم أمريكا من الأمانة
منذ نشأة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لم يسبق للولايات المتحدة الأمريكية أن وجدت نفسها في عزلة تامة، وفي خصومة مباشرة مع جميع أعضاء مجلس الأمن، ومنهم الحلفاء من أوروبا الذين صوَّتوا أمس الأول 18 ديسمبر وبالإجماع على مشروع قرار مصري يطالب بـ”سحب قرار الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني” فحق للمندوبة الأمريكية أن تعتبر تصويتهم “إهانة لا تُنسى”.
غضب المندوبة الأمريكية لا يفسره فقط تصويت الحلفاء من الدول دائمة العضوية (بريطانيا وفرنسا) وأغلب الأعضاء غير الدائمين من دول غربية أو صديقة مثل: (إيطاليا، والسويد، واليابان، وأوكرانيا، وإثيوبيا، والسنغال، والأوروغواي) بل يكون قد أزعجها ما جاء في إفادات المندوبين، وقد أجمعت على توصيف قرار ترامب بنقل السفارة إلى القدس بـ”المخالفة الصريحة للقانون الدولي” خاصة في مداخلات مندوبي بريطانيا وفرنسا.
المندوب البريطاني شدد على “أن القدس الشرقية جزءٌ من فلسطين المحتلة، وأن أي قرار بشأن المدينة المقدسة يخالف القوانين الدولية سيظل ملغيا وباطلا” وأعلن المندوب الفرنسي أن “فرنسا لا تعترف بضم إسرائيل للقدس المحتلة” وطالب بالرجوع للقرارات الدولية لعلاج قضية القدس “لأن أي قرار يخالف ذلك هو باطل ولا أثر له” واعتبر أن التأييد الكاسح للمشروع المصري “يعكس رغبة الدول في التمسك بالقانون الدولي”.
أمام هذا الإجماع الدولي حول وضع القدس، وجدت المندوبة الأمريكية نفسها في حالة عزلة لم تعهدها الولايات المتحدة حتى وهي ترتكب أفظع الجرائم في حروب فيتنام، وأفغانستان، والعراق، وما كان يخطر على بال البيت الأبيض أن يأتي اتهام الولايات المتحدة بـ”خرق القانون الدولي” على لسان حليف مؤتمَن مثل بريطانيا، أو تجمُّع دول “صغيرة” مثل السنغال، وأورغواي، وبوليفيا، على اعتبار قرار الرئيس الأمريكي “باطلا ولا أثر له” وهي العبارة التي وردت في معظم المداخلات.
الباعث لغضب المندوبة الأمريكية ليس لأنها شعرت بخذلان الحلفاء، واتهامهم الولايات المتحدة بمخالفة القانون الدولي، بل يعود إلى احتساب تبعات هذا التصويت الذي يبعث برسالة تثبيط قوية لدول كثيرة كانت ستحذو حذو الولايات المتحدة، لتأتي إدانة أهمّ الدول الأوربية لقرار ترامب كمقدمة لموقف أوروبي يمنع الدول الأعضاء من تغيير الموقف من وضعية القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة، كما تكون الولايات المتحدة قد فقدت مع هذا الإجماع الكثير من هيبتها وهي تضطر إلى الاحتماء بحق النقض.
الرسالة على ما يبدو لم تكن موجهة للولايات المتحدة، بل عنت الكيان الصهيوني الذي ابتهج لقرار ترامب، وبدأ ينسج حوله أحلام اليقظة، ويُعِدُّ العدة لتوسيع مشاريع الاستيطان، وربما الانتقال إلى تنفيذ التهويد الكامل للقدس ولأراضي 48 مع ترحيل فلسطيني 48 الذي يؤسس عليه مشروع بناء الدولة اليهودية الصرفة بعد تراجع مشروع إسرائيل الكبرى.
الإجماع كان أيضا رسالة قوية لصالح قرارات الشرعية الدولية السابقة في الملف الفلسطيني، يُفترض أن تشجع الفلسطينيين والعرب على الخروج نهائيا من مسار أوسلو، والعودة إلى مظلة الأمم المتحدة، التي تضمن في الحد الأدنى دعم مسار حل الدولتين، وقيام دولة فلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس، يمرُّ حتما عبر هدم مؤسسات أوسلو وتحميل الكيان الصهيوني مسؤولية وأعباء إدارة حالة الاحتلال التي سوف تكلفه أكثر من أي حرب مع العرب أو مع المقاومة.