-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“حلف مكة” في طهران: تفكيك الألغام وبناء قطب صاعد!

“حلف مكة” في طهران: تفكيك الألغام وبناء قطب صاعد!

كما كنّا نأمل عند توقيع اتفاق مكة لإنشاء حلف دفاعي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، خطا هذا الحلف خطوة متقدمة أمس بعقده لقاء رباعيا بإيران ضم أعلى قيادات هذا البلد. وبرغم أن اللقاء كان تشاوريا وصدر عنه بيان مقتضب دعا إلى مواصلة المشاورات، إلا أنه يعد من الناحية الإستراتيجية ذا دلالة عالية لمستقبل أمن المنطقة ونظامها الإقليمي.

لقد حقَّق هدفه الأول المباشر منسجما مع الأهداف التي سطرها والتي من بينها: أنه غير موجّه ضد أحد. وهذا ليس بالهدف الهين ذلك أنه كان بالإمكان الإبقاء على إيران بمعزل عن الاتفاق بالنظر إلى طبيعة الصراع الذي تخوضه مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والذي كانت له انعكاسات كبيرة على أمن دول المنطقة وخاصة الدول الخليجية. هذا لم يحدث، بل العكس هو الذي حدث، اليوم يتم فتح الباب أمام إيران لكي تكون جزءا من الأمن الإقليمي للمنطقة بعيدا عن أي مظلة خارجية، والأهم من ذلك إفشال الإستراتيجية الصهيونية القائمة على عزل إيران عن محيطها المباشر! وهذه نقطة تحول في طبيعة الأمن في المنطقة ستكون لها انعكاسات كبيرة في المستقبل.

لقد سبق وأشرنا في مثل هذه المساحة أن حلف مكة عندما تأسس اغتنم ثغرة في الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي، التي تدعو جميع الحلفاء بما في ذلك الاتحاد الأوروبي للدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، لتحقيق هذا البديل الذي بدأ  باتفاق يضم ثلاث دول متكاملة من حيث القدرات لتحمي نفسها بنفسها! ومن هذه الزاوية بات الحلف نواة نظام إقليمي ذي قدرات كبيرة إلا أنه كان يتحرك في حقل متعدد الألغام: إيران في حرب مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، غزة في مرحلة ما بعد الإبادة تستغيث والضفة الغربية تعاني الاحتلال، وأراض أخرى محتلة في لبنان وسوريا، وحرب لم تتوقف في اليمن. وكان رهان الأجندة الصهيونية وأعداء الحلف أن تنفجر هذه الألغام أو على الأقل إحداها في وجه هذا الحلف الناشئ. وسعدوا لانفجار الوضع بين المملكة العربية السعودية واليمن غير المعترف به من قبلها. وكانوا يعملون أن تسوء الأوضاع أكثر وينفجر في وجه الحلف لغم إيران باعتباره أكبر، وباعتبار إيران من مؤيدي الطرف اليمني غير المعترف به من قبل المملكة العربية السعودية، بل كانوا يتوقعون أن يتحول الحلف إلى أداة بيدهم يتلاعبون بها، فيضربون بعضه ببعض، وتشتعل شرارة تقاتل المسلمين فيما بينهم وهم يتفرجون وينفخون في النار ويمدّون هذا وذاك بالسلاح! هذا لم يحدث، ولن يحدث، بمشيئة الله، بعد لقاء طهران الأخير.

وكما كان أملنا في الأول بأن يحقّق  الحلف إحدى طموحات الأمة الإسلامية في الوحدة والتضامن وعدم الاعتداء، فإن هذا الأمل يتسع الآن أكثر وقد اتجه نحو إرساء نواة نظام إقليمي لمجموعة من الدول الإسلامية تكمّل بعضها البعض من حيث عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والبشرية. وسيكون ذلك بمثابة الردع القوي لتمادي الكيان الصهيوني في التلاعب بالمنطقة وظلم الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين كل في أرضه، بل سيضع نهاية لذلك التطلع غير المشروع لهذا الكيان ليكون قائدا في المنطقة لا يمكنها أن تتحرك أو تعرف الأمن بدونه. وهذا يعني أنه سيكون أيضا بمثابة الإطار الأنسب لإنهاء الحرب على إيران، وإيجاد تسوية في اليمن تحافظ على وحدته وعلى أمن المملكة العربية السعودية، كما سيكون القاعدة الصلبة التي سترتكز عليها مجموعة البلدان الإسلامية لطرح بدائلها نحو المستقبل كقطب صاعد في عالم متعدد الأقطاب.

فهل سنعرف بداية نهضتنا الحقيقية مع هذا الحلف بعد نحو قرنين من المحاولات؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!