-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حلول ممتنعة على سلطة بلغت أرذل العمر

حبيب راشدين
  • 3999
  • 0
حلول ممتنعة على سلطة بلغت أرذل العمر
ح. م

قد تكون هذه السنة آخر سنة نستقبل فيها شهر رمضان المعظم وأكثرية الجزائريين في سعة نسبية من الحال، بفضل مخلفات سنوات النفط السمان، وقد لا يمضي عام حتى تضطر الحكومة إلى سلسلة من الإجراءات التقشفية المؤلمة، تبدأ باستهداف دخل الأكثرية، برفع الدعم عن قائمة قابلة للتوسع من السلع والخدمات، بدءا بالمحروقات ومشتقاتها وموارد الطاقة بالجملة، انتهاء بالبرامج الاجتماعية في السكن والتعليم والرعاية الصحية، مرورا بتجميد الأجور في الوظيف العمومي، ووقف العمل بكثير من برامج تشغيل الشباب. ولن يمضي كثير من الوقت حتى تضطر الحكومة إلى الاقتراب من قدس الأقداس برفع الدعم عن المواد الغذائية الرئيسة.

 

عودة السنوات العجاف

ما هو متفق عليه بين خبراء الاقتصاد أن الحكومة الجزائرية لا تمتلك بدائل كثيرة لتفادي مثل هذه القرارات المولّدة للانفجارات الاجتماعية في بلد يُدار منذ الاستقلال بسياسات شراء السلم الاجتماعي بعوائد اقتصاد ريعي مرتبط ببورصة أسعار المحروقات، يعتمد على عوائد النفط في بناء ميزانيات الحكومة بنسبة تزيد عن 97   %  ، الدخل القومي الخام فيه يدين بأكثر من 80  % للمحروقات التي تدخل في تشكيل الدخل الفردي بنسبة 70 % حيث تشكل التحويلات الاجتماعية ـ نحو 60 مليار دولارـ  قرابة ثلث الناتج القومي الخام. 

وحيث إن واردات البلاد لسنة 2014 قد بلغت 58 مليار دولار يُضاف إليها 11 مليار دولار من الخدمات المستورَدة، قد تجاوزت عوائد البلد من الصادرات التي لم تزد عن 62 مليار دولار مع احتساب الصادرات خارج المحروقات، فإن انهيار أسعار المحروقات قد فرض على الحكومة اللجوء إلى ميزانية بعجز هو الأكبر منذ الاستقلال. وسوف يستمر العمل به لسنوات قادمة، بما يعني دخول البلد في دوامة الاستدانة الداخلية، وربما العودة إلى الاقتراض الخارجي بعد استهلاك المخزون المالي الاحتياطي الذي استُهلك منه قرابة الربع منذ بداية انهيار أسعار النفط.


في الصيف ضيّعت اللبن 

مؤشرات كثيرة تؤكد أن الحكومة كانت في غفلةٍ من أمرها، ولم تلتفت إلى المؤشرات الموضوعية التي كانت تشي منذ بداية الأزمة الاقتصادية العالمية بتراجع الطلب على المحروقات، وتراجع أسعارها بالضرورة، كما لم تلتفت إلى التحوّلات الجيوستراتجية وظهور بوادر حرب باردة جديدة سوف يستعمل فيها سلاح النفط مجددا وقد حصل على خلفية معارك كسر العظام في أوكرينيا والشرق الأوسط، وأن القرار السعودي بإغراق السوق بفائض كبير من العرض سوف يتواصل ويتفاقم لسنوات قادمة، وأنه ليس في الأفق ما يشير إلى تحسّن قريب في أسعار المحروقات قبل تسوية كثير من النزاعات في الشرق الأوسط، وتطويق الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا. 

إلى جانب هذه الآفاق المسدودة، وغياب قطاع بديل للمحروقات، فإن البلد قد أحيط ببؤر متحرّكة من الفوضى على معظم حدوده الجنوبية والشرقية، اضطرته إلى تجنيد استثنائي لحماية حدوده، وبالتالي إلى مزيد من الإنفاق على القطاعات الأمنية، كما يمنعه من مباشرة سياسة تقشّفية صارمة، قد تفكك جبهته الداخلية، وتخرّب السلم الاجتماعي الهش، في بلد احتاج إلى قرابة عقدين من الزمن للمْلمة جراحه وتطويق مخلّفات العشرية السوداء.


حلولٌ ممتنعة  

ولأن المصائب تأتي تباعاً، فإن الضائقة المالية المقبلة فاجأت السلطة وهي في أرذل العمر، مع مؤسسات حكم مصابة بالتخشّب والشلل، غير قادرة على صناعة توافق حتى بين مكوّناتها، فضلا عن عجز فاضح في الانفتاح على معارضة مستضعفة هزيلة، يُحسب لها في الحد الأدنى أنها لم تنخدع كثيرا بما خُدعت به المعارضات في كثير من دول الجوار العربي، ولن تكون هي الطرف الفاعل في ما هو قادم من الاضطرابات الاجتماعية، والتهديدات الأمنية المتدحرجة من حدودنا الشرقية. 

تواتر تسريبات محتشمة حول شروع أرباب الدولة في الترتيب لخلافة آمنة للرئيس أواسط العام المقبل، قد يكون له أكثر من شاهد في بعض الإجراءات المتخذة في بعض مواقع السلطة، مثل إغلاق اللعبة داخل جبهة التحرير على هامش مؤتمره العاشر، والتغيير الحاصل على رأس التجمع الوطني بعودة السيد أويحيى، أحد أكثر الأسماء المرشحة للخلافة، ومنح فرصة جديدة للسيد عبد المالك سلال على رأس الحكومة، وإرجاء الفصل في التعديل الدستوري الذي قد يُصرف عنه النظر قبل الفصل في مسار خلافة الرئيس.


حراكٌ مرتبك

وحتى مع التسليم بفرضية نجاح أركان السلطة في التوافق على خليفة للرئيس، فإن تسويقه سوف يقترن ببداية السنوات العجاف، وعجز السلطة عن شراء توافق شعبي واسع عبر مسار انتخابي مستنسخ من المسارات السابقة المسيّرة عن بعد، إلا إذا كان في جعبة السلطة تدبيرٌ كيدي لا نعلمه، يشتغل قبل الموعد على بث مشاعر الخوف والرعب، وتخيير المواطنين بين حلول السلطة كعقد إذعان، أو الدخول في دوامة الفوضى التي يكون فيها أوّل من يدفع الثمن. 

ولأن تحريك مياه السلطة الراكدة جاء متأخرا فإن عوائده ـ إن كانت له عوائد ـ سوف تحتاج إلى مزيد من الوقت لم تعد تمتلكه السلطة، وإلى صبر المواطنين على قطار الإجراءات التقشفية المؤلمة التي لم يتعود عليها، وإلى تطويق عاجل لمسارات الفساد التي تمنع المواطن من تحمل أعباء التقشف كاملة، كما تحتاج إلى مباشرة سياسة تقشف في الإنفاق الحكومي، والإنفاق المفرط على المؤسسات الطفيلية في الدولة وملاحقها في المشهد السياسي والجمعوي سوف تبقى ممتنعة في نظام حكم أسس على شفا جرف هار قد ينهار به في أي لحظة. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • abderazek

    تحليل و قراءة مستقبلية قريبة جدا او تكاد ان تكون هذه الحقييقة المرة
    التي علينا مواجهتا

  • فارس

    توصيف الحالة شيء جميل لكن ما الحل ..ليس مفيدا عندما نبقى في دائرة تعريف المعرف ....طبعا مهة الصحافي إثارة الرأي العام حول قضية معينة وتسليط الضوءعليها.. لاأن يقدم الحلول ..لكن يكون كل الإعلام بكافة أطيافه في كامل الدولة على هذا نسق الترار وتعريف المعرف ممل بعض الشيء ..ليس بعض الشيء في كثير من الأحيان من منا لايعرف محتوى المقال لكن هل هناك حلول ..رؤى مستقبلية ..وجهات نظر ..شيء مفيد حقا يثير ملكة التفكير .لاغريزة الخوف

  • أوسمعال سي براهيم

    ويسمح لها بتوظيف مقدرات تنوع مستوى مكوناتها الفكرية والعقائدية والاقتصادية في ظل تدعيم التماسك الاجتماعي الثقافي والاقتصادي للأمة حتى تستمر كوحدة قوية، سيدة فاعلة ،مصيرها بيدها ، حرة في اختيار العوامل والعناصر التي توافق قناعتها الفكرية ومعتقداتها الروحية ،وتستثمر ذلك في تفتيق عبقريتها والمساهمة في توجيه الحضارة نحو تحقيق المثل العليا التي تحفظ للإنسان وجوده وحريته وكرامته .
    العالم اليوم يتشكل من جديد ثقافيا اجتماعيا اقتصاديا وفق معايير القوة المادية خالصة من أي اعتبارات أخرى،

  • أوسمعال سي براهيم

    يتبع،إمكانات الدولة الجزائرية في تجاوز أثار إخفاقاتها المتتالية قائمة ،فالعمل المطلوب إنجازه يعتمد على تأسيس جديد يضبط العلاقات الاجتماعية لبعث جمهورية المواطنة التي تستوعب كل القوى المنتمية الواعية بمصيرها المشترك الذي عبدته أجيال من هذا الشعب الأبي ورصته بصمودها وتضحياتها عبر العصور وفرضته برجاحة عقلها في فهم متغيرات واقعها وصواب اختياراتها الحضارية في إعلاء القيم الإنسانية المعززة لحريته وكرامته وعزته . فالعمل السياسي الأصيل الجاد والناجح والمتطور هو الذي يفعل القواسم المشتركة بالترقية ويسمح

  • بدون اسم

    يتبع،الجزائر التي تجاوزت أزمات مصيرية فيما سبق لم تحصن وجود ها السياسي المستهدف كفكر ونهج ثابت على حماية مصالحها برؤية عامة مندمجة مع مصالح شعوب العالم في العيش الكريم في ظل السلم والأمن الدوليين، فهي معرضة للاستدراج إلى وضعيات اقتصادية وأمنية تستنزف مقدراتها وبالتالي إضعافها وتحييد وجودها كقوة فاعلة مستقلة بإرادتها والعمل على تنمية ثقافة الاستهلاك على النمط الأمريكي لتركيز التبعية مما يجعلنا تغرق عند أول هجوم لصما صرة المضاربة المدفوعة والمحفزة من قبل ساسة المال وهذا الحال يتجسد أمامنا اليو

  • أوسمعال سي براهيم

    يتبع،وقرارات لا تخدم مصالحها الضيقة مما أفقدها فرص صرف المقدرات المالية القوية الضخمة المعتمدة لمشاريع استثماراتها الطموحة لتنمية مختلف المجالات والقطاعات وتطويرها ،إنه الحصار، حرب دبلوماسية المال قناع السياسة بورصتها قيم ومبادئ ومواقف مراكز المال والأعمال وعمولاتها المقايضة المساومة التلميح بالضغوط والأخطار التابعة ثم الحشر في زمرة من زمر الأعداء ،إلى غاية المواجهة العلنية تحت عناوين بنود الهيئة(الأممية )ومجلس أمن المال.

  • أوسمعال سي براهيم

    يتبع،وقرارات لا تخدم مصالحها الضيقة مما أفقدها فرص صرف المقدرات المالية القوية الضخمة المعتمدة لمشاريع استثماراتها الطموحة لتنمية مختلف المجالات والقطاعات وتطويرها ،إنه الحصار، حرب دبلوماسية المال قناع السياسة بورصتها قيم ومبادئ ومواقف مراكز المال والأعمال وعمولاتها المقايضة المساومة التلميح بالضغوط والأخطار التابعة ثم الحشر في زمرة من زمر الأعداء ،إلى غاية المواجهة العلنية تحت عناوين بنود الهيئة(الأممية )ومجلس أمن المال.

  • أوسمعال سي براهيم

    يتبع،،صمودها أمام كل المخططات العدائية لخلخلة كيانها وانسجامها و زعزعة إرادتها الثابتة في ترقية مشاركة الدول المتخلفة التي بقيت مكبلة بعد تحقيق استقلالها ومحاصرة بأنظمة دولية تعكس هيمنة المستدمر القديم الجديد بكل عنفوان قوة وسائله النشطة في إبقاء دور هذه الشعوب في مستوى التبعية الدائمة لمراكز المال والأعمال ورهينة خططهم وصراعات بورصاتهم، يتداولون أوراق رقاب الشعوب كما يلعبون في جلسات القمار في كازينوهاتهم،هذا الفهم للمنظومة السياسية الدولية والعلاقات الدولية أجبرها على أخذ مواقف وقرارات لا

  • أوسمعال سي براهيم

    سلام عليكم ورحمته وبركاته،صحى رمضانكم،الدولة الوطنية التي ضحى من اجلها مليون ونصف المليون شهيد من خيرة ابناء هذا الشعب الابي الثائر على ادوام مستهدفة بشكل سافر ومباشر من اطماع حاضنات المال والاعمال التي عولمت طبيعة مصالحها بالوسائل السياسية او الحربية،هذا الواقع المفروض يحتاج التعامل معه بفهم قوة مرتكزات اطماعه في الداخل و وطبيعة حركتها التي تتقمص اشكالا تنظيمية مختلفة اجتماعية ثقافية انسانية،تركيبة السلطة تخضع لتاثير هذه القوى في حركيتها ومسارها وبالتالي فهي تحتاج في تفاوضها الى ثقة مستمدة من

  • بدون اسم

    الله يستر

  • أبو منذر

    قراءة صائبة إلى حد بعيد أخي حبيب راشدين , المتأمل بهدوء لهذا الكلام و ما وراءه من مناشدة لمن يحكمون و يتحكمون في مصائر هذا الشعب الذي لم يبخل عليهم بشيء , يجد أنه لا مفر من تدارك الوضع قبل وصول الفأس إلى الرأس , كلام كهذا و الخالي من أي قدح و لا مدح يعد موضوعيا بامتياز , يضع النقطة على الحرف و الأصبع على الجرح , يبقى فقط على اخواننا في السلطة , اقول اخواننا حتى نحملهم مسؤولية أكثر ,ان يراعوا الله في رعيتهم , كما يجب علينا نحن الرعية ان نهيأ أنفسنا لما هو آت حتى لا يفرض علينا فرضا , شكرا للجميع .