-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الإنجليزية في المدرسة الجزائرية:

حين تصبح اللغة بنيةً تحتيةً للمعرفة

لعلى بشطولة
  • 94
  • 0
حين تصبح اللغة بنيةً تحتيةً للمعرفة

حين نُعلّم طفلًا جزائريًا الإنجليزية في الثامنة من عمره، فنحن لا نضيف مادةً إلى محفظته فقط؛ نحن نتخذ قرارًا قد لا تظهر نتائجه إلا بعد عشرين سنة، حين يكون قد صار طبيبًا يقرأ بحثًا سريريًا، أو مهندسًا يفكّ شفرة دليل تقني، أو باحثًا يتفاوض على مقعده داخل شبكة علمية دولية.
فليس السؤال: هل نحب الإنجليزية أم الفرنسية؟ فالمدرسة لا تُبنى على الحب والحنين. السؤال الأدق: ماذا سيتغيّر تقنيًا في تكوين الطفل حين يمتلك، منذ سنواته الأولى، أداةً تتيح له الوصول المباشر إلى المعرفة العلمية والرقمية العالمية؟
مع الدخول المدرسي 2026-2027، اتخذت الجزائر خطوة واضحة في هذا الاتجاه. أعلنت وزارة التربية الوطنية، في 25 جويلية 2026، اعتماد الإنجليزية ابتداءً من السنة الثالثة ابتدائي، على أن تدخل الفرنسية ابتداءً من السنة الرابعة إلى جانبها، مع تعزيز حجمها الساعي في الشعب العلمية. وهذه ليست قطيعة مرتجلة، بل امتداد لمسار بدأ منذ 2022. والقضية ليست لغةً تتقدّم سنة وأخرى تتأخّر، بل بناء قدرة وطنية تراكمية تبدأ في القسم، وقد تنتهي في المخبر والمصنع والمستشفى.

لغة العلم قبل أن تكون لغة بلد
الإنجليزية لم تعد، بالمعنى الوظيفي، ملكًا لبريطانيا أو أمريكا؛ صارت اللغة المشتركة للعلم العالمي، كما كانت العربية يومًا لغة الفلك والطب في بغداد وقرطبة. اللغات الكبرى تتوارث هذا الدور؛ لا تملكه أمة واحدة إلى الأبد.
ودراسة أنجزها باحثون في جامعة مونتريال، نُشرت سنة 2026 وحلّلت قرابة 88 مليون بحث منذ 1990، وجدت أن حصة الإنجليزية من المنشورات العلمية تراجعت من 94 إلى 85 بالمائة بين 1990 و2023 -تراجع نسبي لا حقيقي – إذ تضاعف عدد المنشورات بالإنجليزية أكثر من خمس مرات في الفترة نفسها. والأهمّ: أن 98.89 بالمائة من مراجع تلك الدراسة كانت بالإنجليزية، أيًا كانت لغة كتابتها. فالباحث قد يكتب بلغته الأم، لكنه يظل مضطرًا إلى المرور عبر الإنجليزية ليصل إلى أساس ما يبني عليه عمله. ولهذا كلفة غير مرئية: كل وسيط لغوي إضافي يعني وقتًا وتأخرًا واحتمال خطأ في الترجمة.
اللغة التي تفصلنا عن المعرفة وسيط. واللغة التي توصلنا إليها مباشرة أداة سيادة.

الطفل لا يحتاج لغةً يحفظها
أول خطأ يمكن أن نرتكبه هو تدريس الإنجليزية بالطريقة نفسها التي جعلت أجيالًا تدرسها لسنوات من دون أن تمتلك القدرة الفعلية على استعمالها. الهدف ليس حفظ القواعد، بل بناء أربع كفاءات مترابطة: الاستماع، والتحدث، والقراءة، والكتابة. فالسؤال ليس «كم درسًا أنهينا؟»، بل «ماذا يستطيع الطفل أن يفعل باللغة؟». ما لا يتحوّل إلى كفاءة قابلة للقياس يبقى مادةً في الجدول، لا إصلاحًا تربويًا.

من لغة البشر إلى واجهة مع الآلة
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليغيّر طبيعة المسألة. فالبرمجة، وعلوم البيانات، والأمن السيبراني، تعمل بدرجة واسعة بالإنجليزية. والأهم أن اللغة لم تعد وسيلة تواصل بين البشر فقط؛ أصبحت واجهة تفاعل مع الأنظمة الرقمية. ومن هنا نتيجة استراتيجية: ضعف الإنجليزية قد يتحوّل تدريجيًا من فجوة لغوية إلى فجوة تكنولوجية.

الجامعة فهمت الرسالة
ففي 3 أفريل 2025، وجّهت وزارة التعليم العالي تعليمات إلى عمداء كليات الطب للشروع تدريجيًا في تدريس السنة الأولى طب وصيدلة وطب أسنان بالإنجليزية ابتداءً من الموسم 2025-2026، وفق مقاربة تراعي مستوى الأساتذة اللغوي (ب2 وج1)، مع برامج لتقوية الطلبة. مدرسة تُعطي الأداة، وجامعة تُعمّقها، واقتصاد يحوّلها إلى كفاءة: سلسلة واحدة لا تُبنى إلا إذا اكتملت حلقاتها كلها.

من اللغة إلى نقل التكنولوجيا
فاستيراد آلة ليس نقلًا للتكنولوجيا، وشراء برنامج ليس امتلاكًا للمعرفة التي صنعته. نقل التكنولوجيا الحقيقي يبدأ حين يستطيع المهندس فهم الدليل التشغيلي والمعيار والوثائق الهندسية، ثم تعديلها وصيانتها محليًا. وكل طبقة ترجمة إضافية تعني وقتًا وكلفةً واحتمال خطأ أكبر. تحسين الكفاءة في الإنجليزية داخل القطاعات التقنية يختصر زمن التعلم الصناعي، ويجعل الشراكة الأجنبية أقرب إلى نقل معرفة فعلي منها إلى مجرد شراء معدات. وهنا تنتقل اللغة من القسم إلى المصنع.

الجزائر ليست جزيرة لغوية
فقد شرع المغرب منذ 2023-2024 في توسيع تعليم الإنجليزية في الإعدادي تدريجيًا من 10 بالمائة إلى 50 بالمائة، ثم التعميم الكامل بحلول 2025-2026. وتناقش تونس مسارًا مماثلًا. المسألة ليست منافسة بين الجزائر وجيرانها، بل استجابة إقليمية لتحوّل عالمي: الصين تنشر أبحاثها بالإنجليزية وتحتفظ بلغتها كاملة العزّة، والهند جعلتها أداة صعودها العلمي إلى جانب لغاتها الوطنية لا بديلًا عنها. إنها لغة أداة، لا شهادة انتماء.

العربية لا تخسر حين يتعلّم أبناؤها الإنجليزية
مغالطة متكررة تفترض أن تقدّم لغة أجنبية يعني تراجع لغة أخرى، وكأن قلب الطفل إناء لا يتّسع إلا للغة واحدة. العربية ليست منافسًا للإنجليزية؛ هي لغة وطن وحضارة وذاكرة، والإنجليزية أداة إضافية نحتاج إلى امتلاكها لا هوية جديدة نستعيرها. الثقة باللغة الأم هي بالضبط ما يسمح لنا بتعلّم لغات العالم من دون خوف من الذوبان فيها. المدرسة لا تُبنى على الحنين؛ تُبنى على المستقبل.

المشكلة الحقيقية تبدأ الآن
اتخاذ القرار أسهل من إنجاحه. فالمعركة الحقيقية ليست بين الإنجليزية والفرنسية، بل بين تعليم اللغات وتعليمها جيدًا. وثمة خطر يجب التفكير فيه من الآن: إذا بقي تعليمها الجيد متاحًا أساسًا لمن يقدر على مدرسة خاصة أو دروس إضافية، فسنكون قد استبدلنا فجوة قديمة بفجوة جديدة. المعيار الحقيقي لنجاح الإصلاح ليس عدد المدارس التي تدرّس الإنجليزية، بل مقدار الكفاءة التي يحصل عليها الطفل، بالحدّ الأدنى نفسه من الجودة، أينما كان في الجزائر.

الخلاصة
القضية ليست أن ننتصر للإنجليزية على الفرنسية، ولا أن نستبدل تبعية لغوية بأخرى. القضية أن نمنح الطفل الجزائري أكبر عدد ممكن من المفاتيح، ثم نترك له وحده حرية فتح أبواب العالم. فالطفل الذي سيدخل السنة الثالثة ابتدائي هذا العام قد يصبح في 2040 طبيبًا أو مهندسًا أو باحثًا أو مبرمجًا أو رائد أعمال، ومن حقّه علينا ألا يصل إلى ذلك العالم وهو ينتظر من يترجم له مفاتيحه.
فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لا تعني فقط أن ننتج ما نستهلك؛ بل أن نمتلك القدرة على قراءة المعرفة التي يصنع بها الآخرون مستقبلهم، ثم امتلاك العلم والثقة لنصنع معرفتنا ومستقبلنا نحن. فالرهان الحقيقي ليس: متى نبدأ تعليم الإنجليزية؟ بل: ماذا سيكون أبناؤنا قادرين على أن يفعلوا بها، بعد عشرين سنة من اليوم؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!