حين يُراد لمباراة كرة قدم أن تُنهي قضية شعب!
في كل مرة يحقق فيها المنتخب المغربي إنجازًا رياضيًا، يخرج علينا بعض الكتّاب ليحوّلوا لحظة رياضية إلى مناسبة لإعلان وفاة قضية سياسية عمرها أكثر من نصف قرن، وكأن هدفًا في مرمى الخصم أصبح حجة لإلغاء حق شعب، أو أن تألق منتخب وطني يمنح شرعية سياسية لموقف في نزاع دولي معقد.
هذا بالضبط ما فعله الأستاذ محمد الهاشمي الحامدي عندما أعلن أنه “لن يتخلى عن مغرب الإسلام والمجد من أجل البوليساريو”، في صياغة توحي وكأن الصحراويين يقفون في مواجهة الإسلام والمجد والتاريخ، بينما الحقيقة أن القضية تتعلق بنزاع سياسي وقانوني ما زال مطروحًا على أجندة الأمم المتحدة.
لا أحد يطلب من الأستاذ الحامدي أن يتبنى موقف البوليساريو، فالمواقف السياسية حق مشروع. لكن من حقنا أيضًا أن نسأل: كيف يمكن لكاتب يفترض أنه يدافع عن وحدة الأمة أن يختزل معاناة عشرات الآلاف من اللاجئين، وعقودًا من الحرب، وأجيالًا كاملة نشأت في المنفى، في عبارة إنشائية كتبت تحت تأثير أجواء بطولة كروية؟
إن الشعوب لا تفقد حقوقها لأن منتخبًا فاز، كما أنها لا تكتسبها لأن منتخبًا خسر.
والأغرب من ذلك أن الكاتب لا يكتفي بإعلان انحيازه للموقف المغربي، بل يقرر بالنيابة عن الصحراويين أنهم “سيكونون بخير مع أشقائهم المغاربة”. ولكن منذ متى أصبح الآخرون يحددون ما هو الخير لشعب لم يستشيروه؟ أليس من أبسط مبادئ العدالة أن يُسمع صوت أصحاب القضية قبل أن يتحدث الآخرون باسمهم؟
ثم ينتقل الكاتب إلى تحميل الجزائر مسؤولية النزاع، داعيًا إياها إلى التخلي عما يسميه “مشروع إقامة وطن سادس في المغرب الكبير”. وهنا يبلغ التبسيط مداه.
فالقضية الصحراوية لم تولد في الجزائر، ولم تنشأ بقرار جزائري، ولم تظهر بسبب خلاف جزائري–مغربي. إنها قضية تعود جذورها إلى الحقبة الاستعمارية الإسبانية، وأُدرجت منذ ستينيات القرن الماضي ضمن ملفات تصفية الاستعمار في الأمم المتحدة. ويمكن لأي شخص أن يختلف مع الموقف الجزائري أو المغربي، لكن تحويل قضية تاريخية معقدة إلى مجرد “مشروع جزائري” يعني إلغاء التاريخ وتجاهل الفاعل الأساسي: الشعب الصحراوي نفسه.
إن الجزائر تعلن باستمرار أن موقفها يقوم على دعم مسار تقرير المصير وفق قرارات الأمم المتحدة، سواء اتفق المرء مع هذا الموقف أم اختلف معه. ومن الإنصاف، عند مناقشة هذا الملف، التمييز بين تقييم سياسات الدول وبين اختزال وجود شعب كامل في إرادة دولة أخرى.
أما الحديث عن “مغرب الإسلام والمجد”، فهو خطاب عاطفي لا يجيب عن السؤال الجوهري: هل يصبح التاريخ العريق لأي دولة سببًا كافيًا لإسقاط المطالب السياسية أو القانونية لطرف آخر؟ إن الحضارات العريقة تُقاس أيضًا بقدرتها على إدارة الخلافات بالعدل والحوار، لا بمجرد استدعاء أمجاد الماضي.
إن حلم المغرب الكبير لن يتحقق بتخوين هذا الطرف أو ذاك، ولا بإنكار أحد مكونات المنطقة، ولا بتحويل الصحراويين إلى مجرد هامش في رواية الآخرين. فالاتحاد الحقيقي لا يُبنى على تجاهل النزاعات، بل على البحث عن حلول عادلة ومستدامة تحفظ الكرامة وتفتح باب المستقبل.
لقد أثبت التاريخ أن القضايا الوطنية لا تنتهي لأن بعض الكتّاب أعلنوا تعبهم منها، ولا لأن المزاج العام تغيّر، ولا لأن مباراة لكرة القدم أثارت الحماس. فالحقوق السياسية لا تُحسم في الملاعب، بل بالحوار والقانون والتوافقات التي تضمن سلامًا دائمًا.
ويبقى السؤال الذي لم يجب عنه الأستاذ الحامدي: إذا كان المغرب الكبير حلمًا يستحق الدفاع عنه، فلماذا يُطلب دائمًا من الصحراوي وحده أن يدفع ثمن هذا الحلم؟ ولماذا يُطلب منه أن يتخلى عن روايته وتطلعاته، بينما لا يُطلب من بقية الأطراف تقديم تنازلات مماثلة؟
إن بناء مغرب عربي متماسك يقتضي الاعتراف بتعقيدات الواقع، والإقرار بأن القضايا التاريخية لا تُحل بالشعارات، ولا تُختزل في انتصار رياضي، ولا تُلغى بمقال رأي، مهما بلغت بلاغته.