-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حينما يلبس “المداخلة” جلود الضأن ويُظهروا الحرص على أمن الأوطان!

سلطان بركاني
  • 123
  • 0
حينما يلبس “المداخلة” جلود الضأن ويُظهروا الحرص على أمن الأوطان!

دأبَ رؤوس التيار المدخليّ ودعاته، في شتّى بلدان العالم الإسلاميّ، على عرض منهجهم الوبيء، ركيزةً لا غنى عنها في مواجهة الغلو والتكفير والإرهـاب، بِزعم أنّ المداخلة هم أعرف النّاس بخبايا جماعات التكفير! وما فتئوا يتوقعون أن تنطلي تقيتهم على المؤسسات الرسميّة، وعلى عامّة النّاس، ويتحولوا إلى هيئات استشارية ويُؤتوا ختم الحكم على الجماعات والأحزاب والتيارات والأشخاص! وتكون كلمتهم مسموعة ورأيهم نافذا. لكنهم -في أغلب الأوقات والأحوال- كانوا يرجعون بخفي حنين، ويفاجؤون بنبذهم وتصنيفهم “أعداء للمرجعية” من طرف الجهات الرسميّة، ويُنكبون بافتضاح مآربهم أمام عامّة المسلمين.

عامّة المسلمين وخاصّتهم من العلماء والدّعاة والمصلحين، على اختلاف مشاربهم، يدركون أنّ المداخلة يتغنّون بالوطنية، ليس حرصا على أمن الأوطان وسلامتها واستقرارها، ولكن ليمكّنوا لطائفتهم التي ما كان لها أن تكسب لها أتباعا كثُرا في بلدان العالم الإسلاميّ وتثير كلّ هذا اللغط في الأوساط الدعوية، لولا الدّعم المادي والمعنويّ الذي حظيت به من بعض الدول الخليجية وحتى الغربية! والمداخلة أنفسهم يقرّون بغربتهم وغربة منهجهم بين المسلمين، ولكنّهم لا يكلّون من المحاولة وإعادة الكرّة بعد الكرّة، لعلّهم يجدون من تنطلي عليه تقيتهم، ولعلّهم يصلون إلى ما وصل إليه إخوانهم في ليبيا!

في الجزائر، وصل التطاحن المحتدم بين أتباع الطائفة المدخلية، في السنوات الأخيرة، إلى مستوى من الانحطاط قلّ أن تشهده الساحات الدعوية، حتى أشهرَ بعضهم في وجه بعض سلاح التخوين والاتهام بأكل أموال الأتباع بالباطل والارتزاق بالطائفة وسرقة المؤلفات، ووصلت معركة البيانات والردود على الردود إلى دركٍ أصاب المتابعين بالغثيان… وسرّب أتباع الطوائف المنشطرة داخل الطائفة المدخلية لبعض الرؤوس فتاوًى موغلة في التشدّد والتطرّف تتعلّق بجنود الجيش ورجال الأمن! وهي الفتاوى التي تزامن ظهورها إلى العلن مع فتنة الدّماء التي أحدثها المداخلة في الجارة ليبيا بتحريض من رؤوسهم في دول عربية أخرى!

في خضمّ هذه الأجواء الملبّدة، اهتدى بعض الرؤوس من الدرجة الثانية إلى حيلة يصرفون بها الأنظار عن التطاحن الذي يحصل داخل البيت المدخليّ الجزائريّ وعن الفتاوى الموغلة في الغلوّ؛ فكان أن تداعوا لحملة مسعورة تواصوا فيها برمي الدعاة والأئمة والأساتذة المناوئين للمداخلة المنتدِبين للردّ عليهم وفضح منهجهم الذي بدأت تظهر ثمراته المرّة في بعض البلدان المجاورة والقريبة كليبيا والسودان؛ تداعى هؤلاء الرؤوس من المداخلة لتوزيع تهم “الغلوّ” و”الخروج” و”تهديد أمن الوطن” على كلّ من يستميت في كشف جناية “الطائفة المخذولة” على الإسلام والمسلمين!

ابتدأ هؤلاء المداخلة -الذين لبسوا جلود الضأن على قلوب الضّباع وأظهروا الحرص على أمن البلاد واستقرارها- حملتهم بمحاولة بائسة لشيطنة الكاتب الإسلاميّ سيّد قطب وتحميله مسؤولية ظاهرة الغلوّ والتكفير المعاصرة، ومن ثمّ رميُ كلّ من يثني عليه أو يطري كتبه، بأنّه قطبيّ تكفيريّ يضمر الشرّ لوطنه! ليتوّج المسعى –حسب ما يتمنّون- بإسكات الكتّاب والدّعاة والأئمّة والأساتذة الذين يسعون في التحذير من التيار المدخليّ، بعد تصنيفهم “قطبيين يشكّلون خطرا على أمن البلاد”!

كان المداخلة يتوقّعون أن تتوجّ وشاياتهم الكاذبة الخاطئة بتجريم “قطب” ومنع تداول كتبه، لكنّهم مُنوا بخيبة كبيرة وهم يرون بأعينهم كتابه “في ظلال القرآن” شامخا في رفوف بعض دور العرض في المعرض الدولي الأخير للكتاب الذي احتضنته الجزائر في شهر نوفمبر الماضي (2025م)، وتقع أعينهم الحسيرة على كتب قطب في المكتبات العامّة والمكتبات المسجديّة.

لم تمض مدة طويلة بعد المعرض الدولي للكتاب، حتى مُني المداخلة بخيبة أكبر وهم يقرؤون على مواقع التواصل ما نشر عن فحوى المحاضرات التي ألقيت خلال الملتقى الوطني الذي انعقد برعاية الجيش الشعبي الوطني، بالنادي الوطني للجيش، يومي 8 و9 أفريل 2025م، تحت عنوان “تعزيز الجبهة الداخلية والتلاحم الوطني، بين التحديات الداخلية والتهديدات الخارجية”؛ حيث كان من ضمنها محاضرة ألقاها الدكتور ناصر الدين وراش، ممثلا لوزارة الشؤون والأوقاف، في الجلسة الخامسة للملتقى، بعنوان “المرجعية الدينيّة الوطنيّة كأداة للتّلاحم الوطنيّ”، صنّف في ثناياها “السلفية المدخلية” على رأس التيارات التي تهدد المرجعية الدينية الوطنية.

ثمّ جاءت ثالثة القواصم التي كشفت قناع التقية عن وجوه مداخلة الجزائر وأزاحت مسوح الضأن عمّا تكنّه دواخلهم من تطرّف، في شهر أفريل المنصرم، حينما خرج أحد ناشطيهم على مواقع التواصل، ليوجّه تهديدا خطيرا إلى رجال الأمن الذين طلبوه للتحقيق، حيث وصل به الأمر إلى حد أنه قال متوعدا: “ليست لدي نية في الخروج على الحاكم أو الدعوة للخروج عليه، لكنكم تدفعونني دفعا لحمل السلاح”! وقال: “إذا حملتُ السلاح فالموت أهون عندي من أن أسلّم نفسي، مستعد أن أموت، ووالله لن أسلّم نفسي لكم”! وقال: “والله الذي لا إله إلا هو، من اقترب مني؛ يا في روحي يا في روحه”!

حاول بعض المداخلة التملّص من هذا الموقف الخطير، بإلقاء تبعته على جناح معروف داخل البيت المدخليّ الجزائريّ، يوصف بـ”السرورية”، لكنّ كثيرا من الرؤوس الذين كانوا يتظاهرون بالحرص على أمن البلاد واستقرارها صمتوا صمت القبور إزاء هذا الانفلات، بل قد حاولوا التعمية عليه بإثارة زوابع في أماكن أخرى!

لو كان أولئك الرؤوس يهمّهم أمن الجزائر –فعلا- لقالوا كلمة الحقّ ولو على بني طائفتهم، ولكنّهم لم يفعلوا لأنّ “أمن الطّائفة” عندهم مقدّم على “أمن البلاد”!

المدخليّ الذي خرج يتوعّد رجال الأمن الذين طلبوه للتحقيق، لم يتتلمذ على كتب سيد قطب، ولم ينتسب للإخوان المسلمين، بل إنه لا يتوانى طعنا في الإخوان، وحتى حــركة المقاومة الإسلامية حماس لم تسلم من لسانه وقلمه! وسيّد قطب ظلّ حاضرا في كتابات هذا المدخليّ تبديعا وتحذيرا!

ما جعل كثيرا من رؤوس المداخلة يصومون عن الإشارة إلى نازلة صاحبهم “المتوعِّد”، هو أنّه من المؤمنين الجازمين بإمامة ربيع المدخلي، ومن مقلدي أحد أكبر رؤوس المداخلة في الجزائر… وليس من المفارقات أن هذا “الرأس الكبير” نفسه له أقوال غاية في التطرف تتعلق بالتعامل مع جنود الجيش ورجال الأمن في الجزائر، نشرها المداخلة في خضم الصراع الدائر بين أهمّ جناحين من أجنحتهم.. ولكنّ المفارقة أنّنا لم نجد أولئك الرؤوس -من الدرجة الثانية- المتحاملين على بعض أئمّة الجزائر وبعض أساتذة جامعاتها المناوئين للمداخلة؛ لم نجدهم تأخذتهم الحمية لوطنهم ليُخرجوا للناس منشورات ومقاطع مُبروَزة تنذر وتحذر من هذا الرأس المدخليّ الكبير ومن فتاواه المتعلّقة برجال الجيش والأمن!

الحقّ أنّ القضية عند هؤلاء المداخلة ليست “حماية أمن الجزائر”، إنما هي “حماية جناب الطائفة” والتمكين لها في الوطن على كل الأصعدة والمستويات، ليس لتخدم الدين والبلاد، إنما لتُحكَّم في رقاب العباد، وتنفذ أحكامها المتطرّفة في العلماء والدّعاة والأئمّة والمصلحين، بسوط “الدولة”، في انتظار أن تسنح لها الفرصة لتنفذ أحكامها بسياطها!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!