خبراء: الصين وروسيا أكبر المستفيدين من العدوان الأمريكي على إيران
لا تزال تداعيات الحرب التي اندلعت عقب الضربة العسكرية الأمريكية الصهيونية ضد إيران تتصاعد، في وقت يواصل فيه الحرس الثوري الإيراني الإعلان عن إدخال أسلحة جديدة إلى ساحة المواجهة. فقد أعلن، الأحد، استخدام صاروخ “سجيل” الباليستي لأول مرة منذ اندلاع الحرب قبل أسبوعين.
ويرى المحلل المختص في الشؤون الأمنية والعسكرية، أكرم خريف، أن استخدام هذا الصاروخ يعكس توجّه طهران نحو تصعيد نوعي في الضربات الصاروخية. ويقول في تصريح لـ”الشروق” إن “اللجوء إلى صاروخ سجيل يدل على رغبة إيران في توجيه ضربات بصواريخ أكبر حجماً انطلاقاً من مواقع أكثر تحصيناً داخل أراضيها”.
ويُعد “سجيل” صاروخاً باليستياً استراتيجياً إيرانياً يتراوح مداه بين 2000 و2500 كيلومتر، وتصل سرعته إلى أكثر من 12 ماخ، أي نحو 17 ألف كيلومتر في الساعة، ما يجعله من الصواريخ صعبة الاعتراض. كما يمكنه حمل رؤوس حربية يتراوح وزنها بين 650 و700 كيلوغرام. ويعمل الصاروخ بالوقود الصلب، وهو ما يتيح إطلاقه بسرعة ومن مواقع أكثر أمناً، مثل القواعد الداخلية أو المنصات المتنقلة، ما يمنح إيران مرونة عملياتية أكبر.

الصاروخ الباليستي الإيراني “سجيل”. الصورة: ح. م
في المقابل، كشفت وسائل إعلام عبرية في اليوم ذاته عن تفعيل الولايات المتحدة جسراً جوياً لنقل شحنات أسلحة إلى تل أبيب دعماً لعملياتها العسكرية ضد إيران. وأفادت تقارير بأن دولة الاحتلال أبلغت واشنطن بوجود نقص حاد في القذائف المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية الإيرانية.
ويؤكد خريف أن الموجة الـ54 من القصف الصاروخي الإيراني التي سُجلت الأحد كانت “مكثفة ومؤثرة”، مشيراً إلى أنها استهدفت البنى التحتية العسكرية الأمريكية في المنطقة، بما في ذلك أنظمة الرادار والدفاع الجوي. كما أدت، بحسبه، إلى استنزاف جزء معتبر من مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الاحتلالوبعض دول الخليج، الأمر الذي قد يدفع الحرب إلى مرحلة جديدة قد تعجز فيها تل أبيب عن اعتراض الصواريخ، ما يفتح الباب أمام أضرار مباشرة قد تطال قواعدها الجوية والبحرية والبرية، إضافة إلى منشآتها الصناعية.
ويرى المتحدث أن المواجهة الجارية تندرج ضمن حرب تصعيد تدريجي تهدف في نهاية المطاف إلى إضعاف أحد الطرفين بشكل حاسم، لكنها تبقى “محسوبة” في الوقت الراهن، إذ يتجنب الطرفان توجيه ضربات مدمرة للبنية التحتية الحيوية مثل منشآت النفط والكهرباء ومحطات تحلية المياه، رغم أن كليهما مستعد لتجاوز هذا الخط في حال تصاعدت المواجهة.
وفي سياق متصل، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقناة “NBC News”، السبت، بأن إيران تسعى إلى التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار، لكنه غير مستعد لقبول ذلك في الوقت الحالي لأن “الشروط المطروحة ليست جيدة بما يكفي». كما دعا حلفاء بلاده إلى إرسال سفن حربية للمساعدة في تأمين مضيق هرمز.
ولا يقتصر تأثير الحرب على البعد العسكري فحسب، بل يمتد إلى الساحة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، خاصة مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. فترامب، الذي بنا جزءاً كبيراً من خطابه السياسي على شعار «أمريكا أولاً»، نجح عبر حركة “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (MAGA) في ترسيخ توجه سياسي يميل إلى تقليص التدخلات الخارجية.
غير أن خريف يرى أن الرئيس الأمريكي «يصطدم بواقع سياسي معقد داخل الولايات المتحدة»، في ظل نفوذ لوبي “أيباك” الداعم للاحتلال، إلى جانب الضغوط السياسية المرتبطة بقضية إبستين، ما جعله – بحسب تقديره – أمام خيار محدود سوى الانخراط في الحرب.
ويضيف أن اللوبي المؤيد للاحتلال قد يكون قدّم لترامب ضمانات سياسية تقلل من تداعيات الحرب على نتائج انتخابات منتصف الولاية، مشيراً إلى أن نفوذ هذا اللوبي يمتد إلى الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ما يمنحه قدرة كبيرة على التأثير في قرارات الكونغرس.
اقتصادياً، تبدو الحرب مكلفة للغاية للولايات المتحدة. فوفق تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في 5 مارس، بلغت التكلفة التقديرية لأول 100 ساعة من العمليات العسكرية نحو 3.7 مليارات دولار، أي ما يقارب 891 مليون دولار يومياً.
إقرأ أيضا – تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي بسبب الضربة العسكرية الأمريكية على إيران
ويشير التقرير إلى أن نحو 3.5 مليارات دولار من هذه النفقات لم تكن مدرجة في ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية، ما يعني أن تمويلها سيحتاج على الأرجح إلى ميزانية إضافية يقرّها الكونغرس. وفي مقابل هذه الكلفة، يرى خريف أن الصين وروسيا هما المستفيدان الأكبر من هذه الحرب. ويقول: «الصين لا تعاني حالياً من حصار بحري في الخليج، وسفنها تمر عبر مضيق هرمز بشكل طبيعي، بينما تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط ومن تخفيف الضغط المرتبط بالعقوبات».
ويضيف أن البلدين يستفيدان أيضاً من استنزاف القدرات العسكرية الأمريكية، إذ إن مئات الصواريخ الاعتراضية التي استُهلكت في هذه الحرب لن تكون متاحة للدفاع عن أوكرانيا أو تايوان، وهو ما يشكل مكسباً استراتيجياً لكل من موسكو وبكين. ويخلص خريف إلى أن الدول الأكثر تضرراً في المرحلة الحالية هي دول الخليج والعراق والأردن، التي تواجه – بحسبه – معضلة مظلة أمنية أمريكية غير قادرة على حمايتها بشكل كامل، فضلاً عن محدودية قدرتها على الضغط على واشنطن لوقف الحرب. ويرى أن ذلك قد يدفع هذه الدول مستقبلاً إلى البحث عن ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، قد تشمل تفاهمات مع طهران أو إعادة صياغة منظومة الأمن الإقليمي في المنطقة.