خديجة دحماني.. تساميت في العلو السامق مع الشهيدات والشهداء
وأنا أدخل مدينة سيدي عيسى، مدينة تُذكر كلما ذُكِر اسمُ المفكر الكبير مصطفى الأشرف. مصطفى الأشرف ابن هذه التربة، كان قلما وفكرا ضد التعصب منذ الكفاح المسلح، وحتى الكفاح من أجل بناء الدولة الوطنية. كان نصير المرأة لأنه كان مجاهد الحرية والاستقلال، وأذكر أنه، وهو صاحب القلم المتميز العميق، هو من عرفنا على كاتبة وشاعرة عرفت السجن ولم تتنازل عن حبها للجزائر، ونضالها من أجل استقلالها، على الرغم من أصولها الأوروبية، إنها الشاعرة المناضلة نزيلة سجون الاستعمار أنا غريكي.
وأنا أدخل هذه المدينة المباركة، شعرت بإحساس غريب يغمر صدري حتى التمام، إحساس من يصل في موعده لرؤية عزيز لم يره منذ مدة، أو لم يره أبدا وجها لوجه، إلا أنه يشعر نحوه بقرابة الوطن والدم والتاريخ والذاكرة والمصير.
يذهب إليه ليقول له شكرًا.
يذهب إليه ليعترف له بعرفانه.
يذهب إليه وهو يحمل اسمه ولقبه وصورته هدية ملفوفة في أجنحة القلب الشفافة اليقظة، بعناية عذبة حنون.. عزيز قدم روحه هدية لشعبه، ووطنه وأرضه، أغلى ما لدى الإنسان لكي يكون إنسانا. أليس هو من تراب.. في زمن كان عسيرا، عسيرا جدا، لم يترك أحدا منا إلا وهشم فيه شيئا ما، وتركه للعراء وعواء الذئاب، إلا ووشم عليه ختم حزن دفين يستيقظ كل حين.
وأنا أدخل مدينة سيدي عيسى أيها السادة، كنت أرى ظل الشهيدة خديجة دحماني في اخضرار الأشجار، وخطوات الشبان على الأرصفة وفي شلالات الضوء الذي يسيل فوق سطوح المنازل، كنت أراها في جوهر الحياة لأنها ببساطة لم تمت ميتة العادة بل تسامت في العلو السامق مع الشهيدات والشهداء..
وجئت أحضر حفل الوفاء مع الوفيات والأوفياء لروح الشهيدة في الذكرى العشرين لاستشهادها، وليس غريبا أن تستيقظ في وجداننا في مثل هذه اللحظات، كل الوجوه العزيزة للصحفيين والصحفيات الذين استشهدوا وهم يحملون أقلامهم، وكلمتهم النظيفة، وقلوبهم، وضمائرهم النيرة، وعشقهم للجزائر.
ولأنه الثامن من مارس، ولأنها غرة الربيع، فلا ربيع دون تذكر شهيدات الحرية وحفيداتهن الوفيات لرسالة الحرية: خديجة دحماني ورشيدة وحورية حمادي، رجاء بولعواد، زبيدة، نعيمة، ليلى وأخريات..أسماء ستظل كبيرة في الذاكرة، منقوشة أسماؤهن على لوح المقاومة ضد الإرهاب وضد أعداء الحرية والسلام. نذكرهن كلما تعرضت الحرية للاعتداء أو تعرضت مهنة الصحافة للمساومة.
وأخريات كثيرات في التربية، وفي الفن، وفي الأدب، وفي البحث، وفي التسيير، تمت تصفيتهن لا لشيء إلا لأنهن كن جدارا ضد الخراب وضد عمى اللاتسامح. لا لشيء إلا لأنهن كن يحملن صورة لجزائر المستقبل، جزائر التقدم والمعاصرة والعدالة والتعدد والديمقراطية.
لقد ترك شهداء العشرية السوداء من صحفيين وكتاب وفنانين ومثقفين وأناس بسطاء طيبين، من النساء والرجال، درسا للأجيال وللعالم في حب الوطن، والاستماتة من أجله، والدفاع عن حريتة وكرامته، والوفاء لرسالة شهداء الاستقلال. تَرَكُوا درسا عميقا للإنسان المعاصر في قيمة الوفاء وحكمته. وكم هو أحوج هذا الإنسان المعاصر للوفاء في زمن الإفلاس الروحي، والإفلاس السياسي، في زمن لم يعد للحياة معنى ولم يعد فيه للموت معنى.
ولأن للدنيا وجهها الناصع الخيِّر، فإن من الوفاء أن قرر أهل مدينة سيدي عيسى ومسؤولوها أن يحمل هذا الصرح الثقافي البديع في هندسته ورمزيته اسم الشهيدة خديجة، أن يتردد اسمها الجميل كل يوم مئات المرات ثم على ألسنة آلاف العابرين من الأجيال القادمة، يذكرهم أن الوفاء للوطن صفة من صفات الشهداء والوفاء للشهداء صفة من صفات النبلاء.
أليس دم الشهداء كمداد العلماء؟
فشكرا لأصحاب هذا الوفاء من رجال ونساء المدينة.
يا خديجة .!
أقول دائما ليس سرا إن كانت سماء بلدنا تزداد نجومُها عددا وكثافة وبريقا، إذ كلما سقط شهيد أو رحل رمز من رموزنا الوطنية عبر تاريخنا القديم والحديث والمعاصر، إلا واستقر نجم غير بعيد منا، يلوح لنا عبر بريقه، ويذكرنا بأن ثمن الحرية باهظ،وأن البلاد غالية.!
فلننْحن بوافر الاحترام لكل شهيدات وشهداء الوطن، لكل قطرة دم زكية تسللت إلى تربة هذه البلاد.
الرحمة على الشهيدة خديجة الساكنة في سماء الوطن وفي قلوبنا بكل ألوان قوس قزح.
شكرًا لصاحب هذه الفكرة الحضارية المزروعة بالوفاء للذكرى، وشكرا للذي دافع عنها فأخرجها إلى النور، وإلى جميع من اجتهد وساهم في تحقيقها، وشكرا لمن جاء للاحتفال برفع اسم الشهيدة خديجة دحماني على أسوار هذه المؤسسة الثقافية، وهنيئا لمدينة سيدي عيسى بنسائها ورجالها.
كل ربيع وأنتم بخير.. وسكان قلوبكم بألف خير.. وكل عام والوفاء يغمر صدورنا جميعا.
وردة بيضاء مكتظة بالعطر لروحك، أيتها الشهيدة خديجة، التي ترفرف بيننا هنا.
لكم جميعا السلام.. والسلام لأرضنا الحبيبة.
ولتحيا الجزائر.