خطاب فرنسي مزدوج تجاه الجزائر يلغم مساعي التقارب
أبدى حافظ الأختام وزير العدل الفرنسي، جيرالد موسى دارمانان، حذرا شديدا في التعليق على نتائج زيارته الأخيرة إلى الجزائر، غير أنه ومع ذلك، فقد كشفت تصريحات جديدة للمسؤول الفرنسي عن وجود تناقض بين وزراء حكومة سيباستيان لوكورنو، في التعاطي مع مساعي استعادة الهدوء مع الجزائر.
وعلى عكس التصريحات المستفزة وغير الودية التي صدرت عن وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، جون نويل بارو، من عاصمة النظام المغربي، حاول درامانان إظهار قدر من الاحترام للجزائر، بما يليق بها كأكبر دولة في إفريقيا وبدورها المحوري في منطقة شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، فيما بدا محاولة لامتصاص غضب السلطات الجزائرية من تصريحات جون نويل بارو، التي أعادت جهود المصالحة إلى مربع البداية.
وفي حوار مطول لوزير العدل الفرنسي، صدر الأحد 24 ماي الجاري، بصحيفة “لوجورنال دو ديمانش” الفرنسية، ذكّر جيرالد دارمانان بحاجة وتبعية فرنسا إلى الجزائر في بعض المسائل المتعلقة بالأمن والطاقة، وقال: “أود أن أذكركم بأننا أكبر مستورد للغاز الجزائري، وأنه مهما كان رأينا، فإن الجزائر، أكبر دولة في إفريقيا، تحمي جزئياً حدودنا الجنوبية”.
وإن اعترف بوجود “خلافات عميقة مع الجزائر” حول عدد من الملفات، إلا أنه شدد على ضرورة احترامها: “ما فعلته بالذهاب إلى الجزائر العاصمة، اتباعا لتوجيهات رئيس الجمهورية (الفرنسية)، هو دبلوماسية. والدبلوماسية تعني التحدث مع الجميع مع احترام الطرف الآخر”، في إدانة ضمنية إلى بعض المسؤولين الفرنسيين، وقد ألمح إليهم من خلال تداعيات مواقفهم وقراراتهم ذات الصلة، وكان يشير هنا إلى وزير الداخلية السابق، برونو روتايو.
وأوضح بهذا الخصوص “عندما كنت مسؤولا عن هذا الأمر (أي عندما كان وزير للداخلية قبل روتايو)، حصلنا على آلاف الترحيلات سنويا من الجزائر، لاسيما بحق أخطر الأفراد، غير أن هذا الأمر توقف عمليا بعد ذلك. تقع هذه القضية الآن ضمن اختصاص لوران نونياز، الذي يقوم بعمل رائع”.
وتكشف هذه التصريحات عن وجود تشرذم في الموقف الرسمي الفرنسي بشأن التعاطي مع الجزائر، وهي تختلف من مسؤول لآخر، فبينما يمعن وزير الخارجية الفرنسي في إطلاق التصريحات المستفزة و”غير الودية” تجاه شريك حيوي في شمال إفريقيا يجري إصلاح العلاقة معه، والأخطر من ذلك أن قادتها يعتبرون الجزائر دولة “عدوة”، يحاول وزير آخر لعب ورقة التهدئة.
وإن حرص جيرالد دارمانان على ضرورة “احترام” الجزائر كبلد “كبير” في المنطقة، إلا أن الهدف من ذلك قد يكون الحصول على تسهيلات من قبل الجانب الجزائري بشأن ترحيل بعض المطلوبين للعدالة الفرنسية ممن يعتقد أنهم متواجدون على التراب الجزائري، في إشارة إلى رموز ما يعرف فرنسيا “مافيا دي زاد”، وهو مطلب قد يكون نسفه في الحوار ذاته، عندما أشار إلى رفض فرنسا تسليم مطلوبين للعدالة الجزائرية، حتى ولو دعاهم لاحترام القوانين الفرنسية.
وتبقى مواقف السلطات الفرنسية المزدوجة بشأن التعاطي مع الجزائر، عاملا يقود إلى الرفع من منسوب الشك لدى الطرف الجزائري في وجود رغبة لدى باريس في إقامة علاقات قائمة على الاحترام المتبادل، ومهما كانت خلفية هذه الازدواجية حتى ولو كانت موجهة للداخل الفرنسي لاعتبارات سياسوية، فإن السلطات الجزائرية بدورها لها حسابات مصلحة الشعب والدولة، وهو ما من شأنه أن يقود إلى اصطدام المصالح.
وبرأي بعض المراقبين، فإن الطرف الجزائري لا يهمه سعي الجانب الفرنسي إلى إحداث توازن في علاقاته مع دول المنطقة المغاربية، وعلى وجه الخصوص الجارين اللدودين (الجزائر والنظام المغربي)، ومن ثم فتصريحات وزير خارجية باريس من الرباط، سوف لن تمر من دون أن تخلف ارتدادات خطيرة على مساعي الطرف الفرنسي الرامي إلى استعادة العلاقات مع الجزائر، حتى ولو حاول الطرف الآخر التذرع بفصل الملفات عن بعضها البعض.