خطوات ممكنة للتحرر من التبعية
متى نستطيع الاستفادة من الثروة الحيوانية السودانية؟ ومتى نستفيد من التجارب الإيرانية في النووي؟ ومتى نستفيد من دروس الثورة والاستقلال والحرية والدبلوماسية الناجحة الجزائرية؟ ومتى نستفيد من نخيل العراق وإمكاناته وثقافته؟ ومتى نستفيد من صحرائنا وسهولنا وشعوبنا؟ ومتى نستفيد من تنوّع عطاءات بلداننا وشعوبنا وكفاءاتنا وقدراتنا؟ ماذا استفدنا من النيل والأمطار والبحار وكل ما عندنا وما حولنا؟ متى نستفيد من موقعنا الجيوسياسي الخطير والرائع؟ لماذا نبعثر طاقاتنا ونلجأ إلى أعدائنا في غذائنا وسلاحنا ومقتنياتنا؟ البديل عن الاستفادة هو فقط الذلّ على أبواب الأعداء.. والبحث عما يفرقنا ويشتت شملنا.
وهنا لابد من اعادة قراءة الجملة الاستعمارية من جديد “التبعية، والتجزئة، والكيان الصهيوني” هذه عناوين المشروع الاستعماري ضد بلداننا وأمتنا.. معاملات ثلاث تكسر قدراتنا وتستبدّ بواقعنا وتمنعنا من التحرك نحو نهضتنا.. ورغم كل محاولات طلائع الأمة للتخلص من اثارها، إلا أننا لم ننجز على جبهاتها الثلاث أي نقلة استراتيجية، بل على العكس تماما تغوّلت فينا التبعية الاقتصادية والثقافية والسياسية للدول الاستعمارية وأصبحنا أقل قدرة على الاستقلال في قرارنا السياسي تجاه قضايانا الخاصة وقضايا الإقليم والأمة، ولم يعد للدولة العربية قدرة أن تمد يدها لإغاثة الجار العربي لأن ذلك يصطدم مع سياسات المعلم “x” في منطقتنا بل أحيانا لا تجرؤ الدولة العربية أن تتخذ قرارا لصالح سيادة البلد وذلك للسبب السابق نفسه..
أما التبعية الاقتصادية فلقد تحوّلت اقتصاديات دولنا العربية إلى اقتصاد ريعي وأصبحنا كذلك الناطور الذي يجلس عند طرف بستانه كل يوم يبعد شيئا من إنتاجه وأرضه لمستهلكين، فإذا حان وقت الجد لن يجد ما يطعم أولاده فهرع للأجنبي الذي يتحكم بالقوت وبالقرار فتبدأ الاشتراطات: نعطيكم مؤونتكم بأموالكم ولكن بشرط تعديل مواقفكم من كذا وكذا.. وفي هذه العملية الكبيرة يفعل المستعمرون كل ما يستطيعون لتدمير البستان وحرقه لكي تصبح الفرصة الوحيدة لنا هي الارتماء على أعتابهم نستورد كل ما يقيم أصلابنا ويمكّننا من الحياة.. وفي الثقافة الأمر نفسه استبدلنا مصطلحاتهم بمصطلحاتنا ومعاييرهم بمعاييرنا وأصبحنا ذيلا لهم نهتزّ يمينا ويسارا حسب غرائزهم..
هل من المنطقي أن نستقوي بجيوش الغربيين على بعضنا؟ أين الأمن القومي واشتراطاته؟ أين الاتفاقيات الموقعة بخصوص الدفاع العربي المشترك؟ كيف نترك بلداننا الواحد تلو الآخر يتساقط تحت معاول التهديم والقتل؟ والكلام هنا يخص الإعلاميين والسياسيين بشكل خاص كيف يسمح للمرجفين الذين يعيثون الفساد تفرقة في صف الأمة..
أما الكيان الصهيوني، فلقد تغوّل فينا حتى بلغت الغطرسة فيه إلى درجة انتهاك مقدساتنا العليا والرمزية المتميزة وأصبح المسجد الأقصى يتعرّض كل يوم لاقتحامات وتجريف وتهويد شأنه شأن الأرض المباركة كلها.. ولم تقف أذرع العدوان الصهيوني على شعب فلسطين، فهاهي تمتد لتقصف في سوريا والسودان ولبنان كما فعلت سابقا بالعراق وسواها.. الكيان الصهيوني اليوم يتوغل ويتغول في علاقات متينة أمنية واقتصادية بكثير من دول الإقليم ويرتب اهتماماته الأساسية ويضمن استمرار صراعاتها الاقليمية.. فيما الشعب الفلسطيني أصبح على الصعيد المعنوي والمادي في أشد ظروفه قسوة وكبّلت كثير من طاقاته وشتتت جهود طلائعه بسبب الحصارات المتنوعة عليه.
ولكن في خضم هذا الهجوم المركز والمتكاتف.. أليس هناك إشعاع نور يمكن أن يجد من خلاله الرواد سبيلهم لانعتاق أوطانهم والخروج إلى سطح الأرض والتمتع بشروط الحياة الآدمية لعلنا في ذلك نقترب من نهضتنا الضرورية للبشرية والأكثر من ضرورية لمستقبلنا؟
قد يواجه البعض هذا الطرح بإلقاء الصعوبات أمامه والتذكير بقوة أمريكا وصواريخها التي تزوّد بها العدو الصهيوني، ويشير البعض إلى صعوبة توحيد أقطارنا بعد أن أصبح لكل منها جيش وأمن ومؤسسات قُطرية.. لا بأس فلنؤجل الحديث قليلا عن مواجهة عسكرية عربية مع إسرائيل، وعن تكسير الحدود وثقافتها وإعلان الوحدة بين دول عربية.. فلنؤجل هذا الحديث مع كل اهميته، ولكن دون أن نفقد الإحساس بأهميته..
ولكن: هل نستطيع تأجيل الحديث عن غذائنا وقوت يومنا؟ ومباشرة نفتح ملف التعاون والتبادل والاستفادة من ثرواتنا.. فهل يعقل أن يكون لدينا مستودع ثروة حيوانية وأراض زراعية ومياه وفيرة كما هو حاصل في السودان حيث تبلغ الثروة الحيوانية الدرجة الخامسة في العالم، فيما نذهب لاستيراد كثير من مشتقات الحليب من دول أجنبية أو نضطر إلى ضيق شديد في هذا الباب كما نحرم أنفسنا من الاستفادة من كل ما يلحق هذا من صناعة جلود واستيراد لحوم وتقوية القيمة الشرائية للمواطن؟ هل يمكن أن نترك هذا المخزون المهم الكامن في بلد عربي إسلامي بلا استفادة؟ وهنا تتجلى أهمية التعاون البيني لأنه محرّر من ارتهانات سياسية وثقافية للأجانب، والكلام نفسه نقوله عن بلداننا العربية والإسلامية جمعاء، فكل بلد لديه من المواد الخام والموارد ما قد لا تجد مثيلا له كثافة في أي بلد آخر.. والذي يجري فيه الحديث عن الغذاء يسري على كل عناوين الحياة الأخرى.
إننا بلا شك نحتاج صحوة ضمير وهمة رجال أحرار يُسكتون المفرّقين والمثبطين ولا يسمحون لنعيق البوم أن يحل في ديار العرب والمسلمين.. إن الأولوية الآن أن نردّ الهجمة متنوعة الأدوات لعلنا ننجو بأمتنا ورسالتنا من المكيدة التاريخية..
بإمكان الإعلاميين والمثقفين العرب وكذلك الساسة أن ينهضوا لإنقاذ أمتنا بالدعوة للتكامل بين اقطارنا لأن التجربة أثبتت لنا بما لا يسمح بالتردد أن نبشّر بمستقبل التعاون والتبادل والاستثمار البيني بين بلداننا العربية والإسلامية.. فهل من المعقول أن نترك سلتنا الغذائية في السودان وخبراتنا العلمية في ماليزيا وإيران وأندونيسيا.. ونتوجه إلى أبواب الاستعماريين نتسول منهم الغذاء والتكنولوجيا؟!
ثم هل من المنطقي أن نستقوي بجيوش الغربيين على بعضنا؟ أين الأمن القومي واشتراطاته؟ أين الاتفاقيات الموقعة بخصوص الدفاع العربي المشترك؟ كيف نترك بلداننا الواحد تلو الآخر يتساقط تحت معاول التهديم والقتل؟ والكلام هنا يخص الإعلاميين والسياسيين بشكل خاص، كيف يسمح للمرجفين الذين يعيثون الفساد تفرقة في صف الأمة.. إننا بلا شك نحتاج صحوة ضمير وهمة رجال أحرار يُسكتون المفرّقين والمثبطين ولا يسمحون لنعيق البوم أن يحل في ديار العرب والمسلمين.. إن الأولوية الآن أن نردّ الهجمة متنوعة الأدوات لعلنا ننجو بأمتنا ورسالتنا من المكيدة التاريخية.. تولانا الله برحمته.