خطوة أويحيى في “ألف ميل” الرئاسة
المؤتمر الاستثنائي للتجمع الوطني الديمقراطي اختتم بنتيجة متوقعة أعادت لمدير ديوان الرئيس، السيد أويحيى، رئاسة الأمانة العامة، في توقيت جيّد، متماهٍ مع ما هو قادم من ترتيبات سلطوية لما بقي من زمن العهدة الرابعة، سواء لضبط إيقاع الاستحقاقات الانتخابية القادمة، أو لاقتسام ما هو متاح من السلطات التنفيذية، وحتما لضبط ايقاع حضور التجمّع بقوّة في ترتيبات صناعة الخليفة القادم.
السيد أويحيى يكون قد أخذ عربونا عن ثقة ودعم الرئيس وكثير من أركان النظام، ليس فقط عبر برقية التهنئة الرئاسية، ولكن بحضور مميّز لرباعية السلطة قلما كانت تكلف نفسها “تشريف” مؤتمرات الأحزاب: بدءا برئيس الحكومة ورئيسي الاتحاد العام والباطرونة، وانتهاء برئيسي غرفتي البرلمان، مع غياب ملحوظ للأمين العام لجبهة التحرير، أريد لغيابه أن يكون “مرئيا” بما يكفي لغاية في نفس يعقوب.
خصوم السيد أويحيى حاولوا تحجيم نتائج المؤتمر، بحصر جدول أعماله في بند انتخاب الأمين العام، يريدون حرمان أويحيى من الاستثمار السياسي الفوري للمؤتمر وللتتويج، وحتى لا يمنحه المؤتمر فرصة إعادة تشكيل هيئته القيادية، وقد طهّرها من أبرز المنافسين، ومن بعض بقايا حقبة تنفذ الـ(دي أر أس).
غير أن مدير ديوان الرئيس، الذي أنعم عليه الرئيس بموقع حضور وشراكة ورصد في قلب النظام بالرئاسة، لم يكن ليلتفت كثيرا إلى خصومه داخل الحزب، لكنه حتما كان معنيا بتثبيت موقع التجمّع كرديف كُفؤ لجبهة التحرير في أي ترتيب سلطوي قادم.
وسواء تعلق الأمر بخطابه الافتتاحي أو بالندوة الصحفية، فإن أويحيى حرص على العبور بالخطاب حدود ما هو مطلوب ومباح لأمين عام حزب شريك في واجهة السلطة، وكأنه قد بدأ منذ الآن يسوِّق لخطاب مرشح رئاسي محتمل، بالتعرض لملفات سياسية داخلية ساخنة مثل: التهديدات القائمة على الوحدة الوطنية من أنشطة “الـماك” وعرابه اليهودي برنار ليفي، وتسفيه موقف وأحلام المعارضة “الرافضة لمؤسّسات الحكم القائمة بلا قدرة فعلية على التغيير” وأخيرا بتبني مواقف من ملفات في السياسة الخارجية كانت دوما حكرا على الرئيس.
في مكانٍ ما يكون السيد أويحيى قد أعطى الضوء الأخضر لتدشين حملة تجريبية ناعمة، تختبر فرص “تسويقه” كمرشّح محتمل، وهو حامل لقبّعتي أمانة التجمّع وديوان الرئيس، فيما كان تعيينه من قبل قد اعتبر كمحاولة لحرمانه من توظيف ماكنة التجمع، لولا أن الخطوة توافقت مع إضعاف رأس الأفلان.
بعضُهم تسرّع بالمضاربة في ما ظهر من مناوشات بين أويحيى وغريمه من الأفلان، فيما قد تكون الخصومة جزءا من “عرض التسويق” لما هو قادم، يتحرر فيه أويحيى والتجمع من دور “الوصيف” ومن زمالة “مكلفة” لجبهة فاقدة للهوية ومعها للناصية، سوف تسمح لأويحيى بالصيد الحرّ داخل المشهد السياسي، ومحاولة بناء توليفات حزبية بديلة قد تغري بعض المعارضة.
الفوز الساحق لأويحيى، بنسبة هي أقرب لنسب انتخاب الرؤساء زمن الحزب الواحد (98,64 %) تؤكّد أنه يكون قد استفاد من منحة نشيطة و”حناجر عميقة” من قلب السلطة ظلت “تفتل في الذروة والغارب” حتى لا يتخلف أحد عن منح التاج والصولجان كاملين لرجل، لا يفترض أن تتوقف طموحاتُه عند رداء أمانة التجمع، وفي الأفق برنوس ينتظر.