-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

..خطوة صحيحة حتى لا يعود “برلمان الحفافات”!

..خطوة صحيحة حتى لا يعود “برلمان الحفافات”!

صدر في غضون الأسبوع الماضي قراران مهمّان عن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وذلك في إطار تفسيرها لفحوى القواعد الدستورية وأحكام القانون العضوي للانتخابات، تحسبا لاستحقاق 02 جويلية المقبل.
ويتعلق الموقف الأول بمنع المنتخبين الذين ترشحوا، وتم انتخابهم، تحت رعاية حزب سياسي، ويمارسون عهدتهم في أحد المجالس الشعبية المنتخبة، سواء المحلية أو الوطنية، من الترشح حاليا تحت أي غطاء حزبي آخر.
أما قرارها الثاني، فيخصّ الإعفاء النسبي من شرط تمثيل النساء لتشكيل قائمة مترشحين لانتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني.
وبعيدا عن الجدل التقني الذي صاحب تفسيرات “السلطة المستقلة”، فإنها في جوهرها منسجمة تماما مع روح القانون وحماية الممارسة الانتخابية التمثيلية والحياة السياسية السليمة من الآفات الأخلاقية الطارئة على المشهد الجزائري خلال السنوات الأخيرة.
لنكُن صرحاء في تسمية الأشياء بمسمياتها، لقد صار الدافع الأول لدى كثير من المتهافتين على الاستحقاقات الانتخابية هو البحث عن ترقيات اجتماعية ونسج شبكات نفوذ وعلاقات إدارية ومؤسساتية لقضاء المصالح الخاصة من موقع التمثيل الشعبي.
في ظل تلك السلوكات المنحرفة، لم يعد هناك أي قيمة للالتزام السياسي بالبرنامج الانتخابي والانضباط التنظيمي، بل صار المألوف هو القفز البهلواني من فضاء حزبي إلى آخر على نقيضه تماما في الرؤية والأفكار التنموية، على افتراض أن تلك التشكيلات السياسية تملكها، لأن الحزب في هذه الحالة لم يعد سوى جسر عبور نحو المجالس المنتخبة في البرلمان أو المستوى المحلي، ولا يهمّ أن يكون يساريا أو يمينيا أو وسطيا، إسلاميا أو علمانيا أو وطنيا، محافظا أو إصلاحيا، اشتراكيا أو رأسماليا، وغيرها من التصنيفات المعروفة.
من السهل على هؤلاء المتسلقين أن يطلّقوا أحزابهم بالثلاث عند أول منعرج، في حال رفض ترشحهم للاستحقاق الانتخابي، بل حتى في حال إدراجهم خارج المراتب الأولى (في النظام الانتخابي القديم)، ليظهروا خلال 24 ساعة فقط على رأس قائمة حزبية بديلة وجاهزة للركوب الانتخابي، حيث المهمّ عندهم هو محطة الوصول وليس الانطلاق.
إن مثل هؤلاء الوصوليّين يستحيل أن يكون همّهم خدمة الصالح العام، لأنّ التجرد السياسي يقتضي أولا التحلي بالأخلاق والالتزام، ومنْ فقدهما لا يؤتمن على مصالح المواطنين ولا شؤون الدولة.
وفْق هذا المنطلق بالذات، نرى بصوابية التأويل القانوني للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، لأنه سيساهم تلقائيا في تطهير الساحة الحزبية والمشهد الانتخابي من الطفيليّين والانتهازيّين ويؤسس لتقاليد ديمقراطية على قيم أخلاقية وأسس صلبة.
نفس الشيء بالنسبة لفتح المجال أمام الإعفاء من استيفاء نسبة التمثيل النسوي كاملة في القوائم الانتخابية، وهو قرار مكمّل للتخلي عن نظام “الكوطة” في قانون الانتخابات القديمة، والذي جعل غير المُستحِقّات عضوات بقوة الأمر الواقع في الهيئة التشريعية عام 2017.
إن ادماج المرأة في المجال العام، وعلى رأسه الحياة السياسية، يبقى في بُعد أساسي منه مسألة بيداغوجية في المجتمع، تحتاج إلى بناء تراكمي في النضج والوعي والتحول الثقافي، وفي تناغم طردي طبيعي مع تأهيل الممارسة الحزبية برمتها، وكل محاولة للقفز على تلك الحقيقة، من خلال السعي لإقحام العنصر النسوي بمنطق قانوني تعسّفي، لأجل البحث عن تلميع مزيف للصورة الوطنية في الخارج، سيؤدي إلى نتائج عكسية، بتمييع التمثيل الشعبي والإساءة للإرادة الجماعية السيّدة، ويفتح الباب لفساد آخر في المستوى الأخلاقي داخل المؤسسة الحزبية.
لقد أحسن الرئيس تبون صُنعا بتصحيح هذا الوضع المختل، بالتراجع عن منطق المحاصصة الانتخابية وتجاوز “نظام القائمة” إلى الانتخاب الفردي داخلها، مع إبقاء نسبة التمثيل النسوي في الترشح فقط، ليبقى الخيار النهائي والمطلق في يد الناخبين وحدهم، بناء على معياري الاستحقاق والأفضلية، أما صعود المنتخب وفق ترتيبه أو جنسه، فهو إكراه للمواطن على خيارات ضيّقة، وقد رأينا نتائجها السيئة في برلمان 2012، حتّى أطلقوا عليه وقتها أشنع الأوصاف القبيحة لانحطاط الكثير من عضواته، ولعلكم تذكرون وصف “برلمان الحفافات”.
نحن نتوجه اليوم تدريجيا لتصويب الأخطاء في رسم مشهد انتخابي معافى من التشوهات، الأكيد أن هناك مجالات أخرى كثيرة تبقى مفتوحة للاستدراك، لكن ما جرى حتى الآن يشكل خطوة صحيحة مئة بالمئة في اتجاه تنظيف الانتخابات والمجالس المنتخبة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!