خلية فرانس أفريك ونهاية نصف قرن من فضائح الإليزي في إفريقيا (1)
لقد لخّص في وقت سابق رسمٌ كاريكاتوري من تصميم الصحفي الفرنسي «كاك»، نشر سنة 2015م في يومية «لوبينيون»، مخاوف أمنية للرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند تتعلق بدول «حدائقها الخلفية» في إفريقيا، الناطقة منها باللغة الفرنسية، مستوحيا ذلك من رواية تعود لصاحبها «هيرغي الموسومة» بـ«تانتان في الكونغو»، حيث أظهر من خلال ذلك الرئيس الفرنسي السابق بزي عسكري، يقود سيارة جيب وسط أدغال القارة المستباحة، وإلى جانبه، جان إيف لودريان، وزير الدفاع المؤثر والمستثمر في المقام الأول في الشؤون الإفريقية، بملابس عسكرية. محملين معهما صندوقين، أحدهما خاص بعملية برخان في منطقة الساحل، والآخر مسخر لقوة سانغاريس في جمهورية إفريقيا الوسطى.
لم يكن هولاند، في واقع الأمر، مهتمًّا كثيرا بإفريقيا، إذ كان يعتقد أن مهمته محصورة فقط في امتصاص الضربات التي قد تكون القارة المستباحة أحد مصادرها الأساسية. وهو ما دفعه بداية من سنة 2013م -وبشكل استعجالي- إلى تخصيص فترة زمنية مهمة للقارة، خاصة بعد التقدم الذي أحرزته الجماعات الإرهابية في مالي، مشيرا في ذلك بقوله
-حسب الرسم- «سأدخل تاريخ القارة الإفريقية!”
في الجهة المقابلة، سيظل خطاب نيكولا ساركوزي الشهير الذي ألقاه في داكار في 26 جويلية 2007م وصمة عار لن تمحى على ولايته التي استمرت خمس سنوات، إذ صرح في ذلك الخطاب بما مفاده أن: «الرجل الإفريقي لم يدخل التاريخ بالقدر الكافي»، وهو ما أثار موجة غضب كبيرة في أوساط مثقفي القارة، الذين انتقدوا بشدة لهجته الأبوية، ناهيك عن سلسلة أخطائه في إدارة الحكم والسياسة وميله إلى إدامة الشبكات الخفية في كل من فرنسا ودول القارة.
علما أن ساركوزي وعد في وقت سابق، وذلك قبل توليه السلطة بقطع العلاقات بين القوة الاستعمارية السابقة وإفريقيا. وهو ما كان أحد الشعارات الرئيسة لحملته الانتخابية، إذ زعم أنه بعد الاستعمار، أي ما يقرب من نصف قرن من النفوذ الفرنسي في إفريقيا، لن تتحدد السياسة الإفريقية من هنا فصاعدا من خلال الروابط الغامضة وغير الرسمية التي تجمع بين كل من باريس وإفريقيا، ما أثر وبشكل مهم على اتفاقياتهما السياسية منها، الأمنية والتجارية.
في الواقع، حملت أغلب خطابات ساركوزي رسائل متناقضة إلى إفريقيا: من جهة، وعد في خطاب ألقاه في كيب تاون سنة 2008م بحملة إصلاح كبيرة على مستوى العلاقات الثنائية. غير أن وعده كان قد تأثر وبقوة بعد اختياره لتلك المدينة كمحطته أولى لسلسلة من زيارات رجل الإيليزي للقارة، كان ذلك في شهر جويلية 2007م. وعكست تلك الزيارات استمرارية للسياسة الفرنسية تجاه القارة بدلا من تغييرها. كما كانت، من جهة أخرى، جميع وجهاته مخصصة لحلفاء فرنسا الناطقين منهم باللغة الفرنسية، على غرار كل من الجزائر وتونس (10-12 جويلية)، السنغال والغابون (26-27 من الشهر ذاته). وهو ما فصلت فيه وبشكل مهم مذكرة صادرة عن مركز تشاتام هاوس البريطاني للأبحاث حول:
«السياسة الإفريقية من ساركوزي إلى هولاند».
سيظل خطاب نيكولا ساركوزي الذي ألقاه في داكار في 26 جويلية 2007م وصمة عار لن تمحى على ولايته التي استمرت خمس سنوات، إذ صرح أن: «الرجل الإفريقي لم يدخل التاريخ بالقدر الكافي»، وهو ما أثار موجة غضب كبيرة في أوساط مثقفي القارة، الذين انتقدوا بشدة لهجته الأبوية، ناهيك عن سلسلة أخطائه في إدارة الحكم والسياسة وميله إلى إدامة الشبكات الخفية في كل من فرنسا ودول القارة.
لقد بدت، في المقام الأول، توبة فرنسا وكأنها تعبير عن تغيير جيلي، بعيد كل البعد عن أيِّ مراجعة سياسية عضوية يمكن أن تذكر: إن وعود تحديث وتجديد السياسة الإفريقية لفرنسا لم تكن بالأمر الجديد في حد ذاته. لكن، على الرغم من ذلك، تسارعت الآمال في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من خلال الأفق الرمزية التي حملتها احتفاليات سنة 2010م، بمناسبة الذكرى الخمسين لاستقلال فرنسا، إذ دقت آنذاك ساعة تقييم الوضع، وكان من المفترض أن يكون هنالك إجماع على نقطة واحدة، هي: وضع حد لخلية «فرانس أفريك».
كان من الضروري بالنسبة لفرنسا أن يصل بها الأمر تلك الخلية إلى عد تنازلي رمزي لنصف قرن من الزمن للاعتراف في الأخير بأن التاريخ يتحرك ويسير إلى الأمام، أي أنه لا يمكن السماح لأي كان بأن توصف ببساطة فرنسا في إفريقيا بكونها امتدادا ثابتا ما بعد استعماري فوق كل الاعتبارات الإفريقية التي رسمت معالم إنهاء الحقبة الاستعمارية.
في الجهة المقابلة، تظهر فرنسا في الكثير من دول القارة المستباحة كعنصر من عناصر التاريخ المترابط مع إفريقيا المعاصرة، في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدبلوماسية أو حتى العسكرية… غير أنه مؤخرا بات جليا أن عمل هذه الثنائية بات شبه معطل. علما أن ما يعتقد أنها تمثل وحدة تجمع بين كيانين – تشكلت بعد سلسلة من موجات استقلال بعض الدول الإفريقية في ستينيات القرن الماضي- في إطار مؤسسي وسياسي، والذي كان من المفترض أن تكون خلية إفريقيا حجر الزاوية فيها، كان محورها الإفريقي هم مجموعة من الرؤساء الأفارقة، على غرار كل من: هوفوي بوانيي، ثم بونغو، وإياديما، وكومباوري.. إلخ. غير أن الخيط الزمني لاختفائهم أو سقوطهم (هوفوي بوانييسنة 1993م، إياديما سنة 2005م، بونغو سنة 2009م، وكومباوري سنة 2014م) مثّل لمنتقدي «فرانس أفريك» النهاية المبرمجة أو الموعودة لها.
لقد سمح هذا النظام المتكامل –مع كل ما يحمله من عيوب وتجاوزات- الذي كان من المفترض أن يكون فوكار ولفترة طويلة ضامنًا له، أن تتركز كل الانتقادات على نقطة واحدة، هي: خلية إفريقيا، باعتبارها الحكومة السوداء للجمهورية الفرنسية. غير أن انحسار قوة ذلك النظام، خاصة عقب رحيل فوكار عن الإليزي سنة 1974م، ساهم وبشكل
تدريجي في تسليط الضوء على القوى المركزية الطاردة المحركة لعالم «فرانس أفريك».
ليحل ضجيج «الألغاز» المكتومة أو الخافتة محل الصمت النسبي الذي ساد سنوات فوكار كأحد أهم المعالم البارزة في تاريخ «فرانس أفريك»، وكأن هذا التاريخ لا يمكن التعامل معه إلا في إطار جبل جليدي تظهر أجزاؤه المرئية في شكل فضائح على الصحف، أو لقطات سريعة للحظات مسروقة من التاريخ السري.
لقد كانت ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، بكل ما حملته من خيبات أمل وحشية وتغطيات إعلامية مزمنة، وفي ظل تطلع دول الأحزاب الإستبدادية التي كانت تحميها الجمهورية الفرنسية باسم الحرب الباردة وعقلانية الدولة، كانت بمثابة نهاية حقبة… لكن وبصراحة، من دون إعلان وفاة «فرانس أفريك» التي تغيرت معالمها تحت تأثير رياح
العولمة. على الرغم من ذلك لا تزال هذه الخلية متجذرة في معجم السياسة الإفريقية إلى الحد الذي جعل منها صورة مخيفة لإدانة كل أشكال الإساءة والفساد والمؤامرات التي لايمكن باختصار الوصول إليها من وراء الكواليس.
التاريخ السري لفضائح الإيليزي
هناك العديد من الفضائح التي تصدرت في غضون فترة قصيرة من الزمن (من تسعينيات القرن العشرين إلى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين) عناوين الأخبار، إذ كانت أغلب الإصلاحات الفرنسية مؤسسية أكثر من كونها سياسية (كضم وزارة التعاون سنة 1998م لوزارة الخارجية الفرنسية ونقل ما يعرف بـ«وحدة إفريقيا» سنة2002 م تحت سلطة الإليزي.
ومن الأمور التي يجدر التنبيه إليها في هذا السياق وفي خضم تلك الإصلاحات، هو أن الرؤساء الفرنسيين لم يكن ليرغبوا في التخلي عن مجالهم المحجوز لهم في إفريقيا، نظرا لكون هذه الأخيرة تعدّ الحمض النووي الحقيقي للرئاسة الفرنسية في ظل الجمهورية الخامسة. وهو ما يفسِّر استمرار الوسطاء وغيرهم من المبعوثين الفرنسيين في التواجد في جغرافيا القارة، في ظل علاقات رسمية تتيح لهم التصرُّف والتعامل مع مختلف الملفات.
وهو ما اعترف به روبرت بورغي في سبتمبر 2011م. وهو الذي يعتبر نفسه «وكيل أعمال فرنسا في إفريقيا”.