داعش: الجزية ذهبا على النصارى
تمتعت بلاد الشام سوريا وفلسطين والأردن ولبنان، بتجانس اجتماعي وتسامح بين أتباع الشرائع السماوية، وتواد عبر مئات السنين جعل منهم نموذجا مثاليا لحياة الإنسان بلا عنصرية ولا صراعات، ولقد تناقلت الأجيال في هذه الديار المباركة كيف أن صفرانيوس، أعطى مفاتيح القدس لعمر بن الخطاب، وكيف أن أهل كنيسة غزّة استقبلوا الفاتحين العرب المسلمين، ومنحوهم جزءا من كنيستهم للصلاة فيه، وكيف كان الإمام الأوزاعي، يطالب خليفة المسلمين بأن يجعل سهما لنصارى بلاد الشام في الغنائم والخراج، كما هو للمسلمين سواء، وكيف أن مسيحيي فلسطين يضعون مفاتيح كنائسهم الكبيرة لدى عائلة مسلمة، وكيف رفض فارس خوري، يوم أبلغه الجنرال غورو، أن فرنسا جاءت إلى سورية لحماية مسيحيي الشرق، فما كان من فارس الخوري، إلا أن قصد الجامع الأموي في يوم جمعة، وصعد المنبر وأعلن أن لا إله إلا الله، ونهض معه المسيحيون في دمشق يسيرون في مظاهرة مشهودة يهتفون: أن لا إله إلا الله محمد رسول الله.
في فلسطين وسوريا وقف المسلمون والمسيحيون سيفا واحدا ضد الفرنجة والاستعمار الغربي والمشروع الصهيوني، حتى جاءتنا هذه الدعوات الخطيرة تهدّم بنيان مجتمعاتنا، وتفسخ وحدتنا وتثير في نسيجنا الاجتماعي نار الفتن المظلمة، نحن نعرف أن هذه الفتن أصابت المسلمين في داخلهم، فهي تفرّق بين المسلم الشيعي والمسلم السنّي، وبين السلفي والمقاصدي وداخل السلفية ها هي تتنازع بين النصرة وداعش بالسلاح، ولا أستغرب ما جاء مؤخرا في بيان لداعش بخصوص نصارى الرقة.
أنا أعرف أن القراءات المجزوءة في الفقه والتاريخ، والمستندة لعصاب الجهل والتنطّع هي التي تتحكم في مواقف هذه الجماعات المشتتة الرأي والروح، وأنها تتعارض مع منهج الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ في تنفيذ وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في التعامل مع أهل الكتاب.
فلقد أعلن تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، أنه فرض سلسلة من الأحكام على السكان المسيحيين في مدينة الرقة السورية التي سيطر عليها، وفرض عليهم دفع “الجزية” وإقامة شعائرهم في أماكن خاصة. وأعلنت (داعش) التوصل إلى “اتفاق” يتضمن 12 قاعدة تهدف إلى ضمان ما أسمته “حماية” المسيحيين، مهددة بأن أي أحد لا يحترمها سيعامل باعتباره عدواً.
ويتعين على “النصارى”، بحسب العقد المذكور، لاسيما الأثرياء منهم أن يدفعوا ما يساوي 13 غراماً من الذهب الخالص، والمسيحيين من الطبقة الوسطى دفع نصف هذا المبلغ، والفقراء منهم دفع ربعه. ونصّ “الاتفاق” أيضاً على أن يمتنع المسيحيون عن رسم الصليب على أي شيء أو مكان في الأسواق أو الأماكن التي يكون فيها مسلمون، كما يمنع النص إقامة المسيحيين شعائرهم خارج الكنائس، إلى ذلك ينص “الاتفاق” على أن يخضع المسيحيون إلى القواعد التي تفرضها (داعش) كتلك المتعلقة بطريقة اللباس وضرورة الحشمة وغيرها من الضوابط، كما يمنعهم العقد المذكور من امتلاك أو حمل السلاح، كما أنه يمنع ترميم الدير والكنائس في المدينة وحولها، إلى أي ثقافة ينتمي هؤلاء وإلى أي منهاج؟ هؤلاء يقدّمون المبررات تلو المبررات للتدخلات الأجنبية في بلداننا، كما أنهم يتصدون بالعنف لروح التسامح التي بناها تاريخنا المجيد، ماذا يريدون وإلى أين سيصلون؟ تولاّنا الله برحمته.