-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دروس الأعاجم لحكام العرب

حبيب راشدين
  • 3776
  • 6
دروس الأعاجم لحكام العرب
ح.م
تقارب تركي إيراني جديد

ما يزال جيران العرب من الأعاجم يلقنوننا الدرس تلو الآخر في فن تربيع الدوائر المفرغة، وتكسير المبادئ الصماء، وتنكيس الشعارات الجوفاء حين تضطرهم مصالح دولهمم، فلا شعار “الممانعة” ومحاربة الشيطان الأكبر منع إيران من معانقة أمريكا، وهي تسلمها جمل النووي بما حمل، ولا السلطان العثماني تردد لحظة في الإنحناء حتى الأرض أمام قيصر الروس الجديد، طالبا الود من العدو التاريخي القريب، بعد أن شعر بخيانة الصديق الأمريكي البعيد، وأرسل تغريدة للصديق نتانياهو أعادت المياه إلى مجاريها.

على الصعيد الأخلاقي قد يجد بعضنا في هذا الإنقلاب الدبلوماسي التركي ما ينكت به على السلطان أردوغان، الذي اشترى من قبل ود الجماهير العربية الحمقاء بمسرحية دافوس، وقد “انتفض” وقتها لكرامة العرب أمام الصهيوني بيريس بحضور عمر موسى، وربما كانت النخب الإعلامية العربية لتنصب مشانق لأي زعيم عربي يفعل ما فعله أردوغان، لكن بلغة السياسة يفترض أن نرفع القبعة لرجل دولة مهموم بحماية مصالح بلده أكثر من تلميع صورته لدى الجماهير.

فبين حادث إسقاط الطائرة الذي أوشك أن يشعل الحرب الثالثة عشر بين الروس والأتراك، ولقاء القمة الحميمية بين بوتن بين الحادثين أقل من عامين، كانت تركيا قد سقطت خلالهما بالكامل في الفخ الذي نصبه لها الأمريكان وحلفاؤها في النيتو، فاستخلصت نخبتها الدروس بسرعة، لتعود مجددا إلى سياسة “تصفير المشاكل” مع الجيران: روسيا  وإيران، وعادت لعناق الكيان الصهيوني، ولن يفاجئنا رؤية الأخواني آردوغان يحتضن بحرارة رجل الإنقلاب على إخوان مصر. 

هذه الدروس في البراغماتية السياسية و”الريال بوليتيك” هي فوق مستوى فهم وثقافة الزعماء العرب للقوانين وللثقافة المكيافيلية التي تحكم السياسة الدولية، وإلا ما كان للمرحوم صدام ليفقد الدولة، والبلد، ورأسه، لو كان تعامل بقدر من الدهاء في لعبة الأمم، واشترى مثل أردوغان ود العدو دون أن يفقد صداقة الحليف، وما كان للمرحوم القذافي أن يضع بلده الصغير في فوهة مدفع الوحش الأمريكي قبل تأمين الغطاء من الحلفاء الروس، ولكان أمراء وسلاطين الخليج قد اشتروا منذ عقود بوليصة تأمين متينة تقيهم الغدر الأمريكي المعلوم عند الداني والقاصي.

بلغة السياسة ومضامينها الماكيافيلية لا تثريب على سلوك جيراننا الأعاجم وخذلانهم التاريخي للعرب منذ حملات التتار والمغول والصليبيين وحتى بداية الحملات الاستعمارية، كما لا تثريب اليوم على سلوك مرشد إيران وسلطان العثمانيين الجدد، بل اللوم كل اللوم يقع على النخب العربية الحاكمة، التي فشلت في تحويل فضاء ثري ماديا وروحيا مثل الفضاء العربي إلى قوة يحسب لها ألف حساب، وما يزال بوسع من بقي من العرب في المشرق والمغرب قلب الطاولة، إما بأدوات السياسة والدبلوماسية ولغة المصالح، أو في الحد الأدنى بالوقوف على الحياد بين هذه الوحوش التي تنهش لحم العرب، وقوى التوحش التي صنعها السحرة منهم، وقد بدأ السحر ينقلب على السحرة، حتى إن أول هدية قدمها الثعلب أردوغان قبل لقاء القمة مع بوتن كان عرض خدمة الأتراك لحملة الروس على “تنظيم الدولة” وأول رسالة طمأنة للحليف الأمريكي كانت بإعادة تسخين علاقة تركيا مع الكيان.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
6
  • didin

    المقال في الصميم .. ولكن التوقيت متأخر جدا .. كنت قبل ايام قليلة مع الحملة السعودية القطرية الاماراتية الاردوغانية ضد سوريا واليمن ...الخ ..ولكن أن تصل متأخرا خيرا من ان لا تصل أبدا ..
    حملة ارجاع دور الدول الكبيرة الجزائر مصر والعراق وتحجيم دور دول البطريق العربي التي لا تعرف تدير قرية صغيرة دون استشارة اجنبية ...فما بالك بعالم عربي مقسم أصلا ..

  • حبيب امبارك

    بلغت هذه الايام 50سنة واول ما فهمته هو كلام المرحوم عبد الحميد مهري من ضرورة توحيد علي الاقل المغرب العربي والابتعاد عن العنتريات والشعبوية وهذا حتي تمر هذه السنون الخطيرة جدا فبارك الله فيك

  • الياس

    وما يلقاها الا الذين صبرو و ما يلقاها الا ذو حظ عظيم

  • محمد

    الحكم الرشيد له قواعد لنجاحه خارجيا كما داخليا..فالجبهة الاجتماعية التركية اظنها اعطت اريحية للدبلوماسية الخارجية سنين قبل حادثة الانقلاب و الان تجني ثمار بناء العمل السياسي الداخلي..اما العرب بالنسبة للجمهوريات فالنشاط الحزبي فيها محدود او قل خاضع لايعاز السلطة فاول مشكل يظهر لا ترى حلول مباشرة و لا مساهمة للنخب الحزبية ما يؤدي الى تفلت اجتماعي و جل مجهودات السلطة هي ارضاء او قمع فئة معينة و هو ما يشكل عائق في التطور السياسي و الاقتصادي و من جهة اخرى تخوف السلطة من مبادرات حزبية قد تنافسها...

  • لا يوجد مشكل

    ولله كل الشعوب تعاني من حكامها وكل الأسحار أنقلبت على بسطائها - أصبح هناك علم في فن التجهيل فـ بئس علم يحمله شرير - المشكل ليس ديني وليس عرقي المشكل يكمن في حكام العالم جبناء أشرار خبثاء - هذا الكوكب الأزرق الجميل ليس فيه فقر بل الفقر في هؤلاء الحكام المستسلمين لقوة الشر - هم يعلمون أنهم راسبيين لكنهم يتناسون حقيتهم المرة بمتاعهم إلى حين يحين الحين آمين
    شكراً مقال في معقول الصميم :)

  • أحمد/الجزائر

    عندما أعلق في هذه المساحة المتاحة لقراء "الشروق" على عناوين صحفية أو مواضيع
    للأساتذة كتاب الشروق تجد من يهاجم- لي أو لك أو هذا أو ذاك- بعنف و قسوة و يكيل الإتهامات العشوائية كالعمالة للموساد و التشيع و أكثر العبارات تداولا لفئة من المعلقين المستفزين(شيعي-رافضي-طائفي-لائكي...)و لولا إدراكنا أن الحقيقة لا يغيبها الصراخ و لا تحجبها الأكاذيب و المراوغات و الإستفزازات لما شغلت وقت فراغي في الرد على سخافات بعض العقول.
    أستاذنا المحترم : الصواب و الحق ما كتبت اليوم فبارك الله فيك.