درونات وروبوتات و”جي 6″… هنا قلعة كوادر الجيش الجزائري!
كيف يمكن لمهندس أن يصبح ضابطا في الجيش ويصنع في الوقت نفسه قوة دولة؟ داخل المدرسة العسكرية متعددة التقنيات “الشهيد عبد الرحمن طالب” ببرج البحري شرق العاصمة، الجواب ليس فكرة تُقال، بل واقع يبنى أمامنا خطوة خطوة، بالمدرسة لا يتحدثون عن دراسة عادية، بل عن تحويل الشاب إلى عقلين في جسد واحد، عقل يفهم التكنولوجيا، وعقل يتحرك بانضباط عسكري صارم.
وكان أهم ما وقفنا عليه هناك بقاعات الدراسة ومخابر التطبيق، أن الدارسين لا يكتفون بالحفظ أو النظريات، بل تُفكك التكنولوجيا وتعاد صناعتها من جديد باستعمال مختلف أساليب البحث والتجريب والمحاكاة وغيرها من المنهجيات العلمية.
اللواء أعومر: التدريب والتعليم الجامعي لرفع مكانة المدرسة وطنيا ودوليا
اكتشفنا أيضا مشاريع درونات تحلّق، روبوتات تتحرك بأربعة أرجل وأخرى مائية تلتقط البيانات في البحار، أنظمة ذكية تُختبر وأبحاث الجيل السادس وما بعده… لم تكن مشاهد مستقبلية، بل مشاريع تنجز داخل المدرسة اليوم، كل تجربة، كل تطبيق، يقرب هؤلاء الضباط أكثر من فكرة واحدة، أن القوة لم تعد فقط في السلاح، بل في من يصنع السلاح ويطوره.
تكوين 5 آلاف ضابط مهندس… وتحوّل الصرح إلى خزان للنخبة العسكرية
على بعد نحو عشرين كيلومترا شرق العاصمة، وتحديدا ببلدية برج البحري، وفي صباح يوم ربيعي، ولجنا في حدود الساعة الثامنة والنصف صباحا أسوار هذه المدرسة التي ظللنا لسنوات ننظر إليها من الخارج بكثير من الغموض، كان ذلك في إطار زيارة إعلامية منظمة، لنكتشف من الداخل عالما ينبض بالبحث، الابتكار، والانضباط.
اللواء سرير: الدرجات العلمية خير دليل على جودة التكوين داخل المدرسة!
استقبلنا قائد المدرسة، اللواء سرير أعومر، بكلمة ترحيبية رسم فيها ملامح مؤسسة لا تكتفي بالتكوين، بل تشتغل على بناء جيل قادر على فهم تعقيدات التكنولوجيا الحديثة وتطويعها لخدمة السيادة الوطنية.
وفي كلمته، رحّب اللواء، نيابة عن جميع الضباط ومستخدمي المدرسة العسكرية متعددة التقنيات “الشهيد عبد الرحمان طالب”، بأفراد الأسرة الإعلامية، معبّرا عن خالص شكره لهم على تلبية الدعوة والقيام بهذه الزيارة الموجهة، موضحا أنها تندرج في إطار مخطط الاتصال للجيش الوطني الشعبي لسنة 2026.
وأكد أن العلاقات التي تجمع وسائل الإعلام بمختلف اختصاصاتها والجيش الوطني الشعبي تؤهلها لأن تكون قناة لتمرير رسائل إعلامية هادفة تخدم الوطن والمؤسسات العسكرية، وتساهم في إفشال كل ما من شأنه ضرب الاستقرار الوطني والتشكيك في مكانة الجيش الوطني الشعبي ومصداقيته.
كما أشار إلى أن القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي تعتمد، على مدار عدة سنوات، استراتيجية بناءة في مجال التكوين والتعليم العسكري والأكاديمي، تهدف أساسًا إلى تعزيز قدرات الإطارات ومواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية المتسارعة.
وأضاف أن ما تقدمه المدرسة من تدريب عسكري وتعليم جامعي في مختلف الأطوار والتخصصات، تحت إشراف مؤطرين وأساتذة متخصصين معروفين بخبرة وكفاءة عالية، مكّنها من أن تحظى بمكانة مرموقة في منظومة التعليم العالي، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، وهو ما جعل هذا الاهتمام الواسع من طرف الجامعات ومؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث يترجم إلى برامج شراكة متبادلة ومستدامة، تعكس عمق التعاون وجودة التكوين داخل المؤسسة.
وتُعدّ الدرجات العلمية المتحصل عليها خير دليل على حرص الجيش الوطني الشعبي على تطوير منظومته التعليمية ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي، بما يعزز جودة التكوين ويرفع من مستوى الأداء الأكاديمي والعسكري للمؤسسة، بحسب اللواء.
أزيد من 5 آلاف ضابط مهندس مرّوا من الصرح العسكري
وقبل انطلاق جولتنا الميدانية بأقسام المدرسة، تلقى الطاقم الصحفي شروحا من مسيريها حول هذا الصرح الذي يُعد تحت الوصاية البيداغوجية المشتركة لوزارة الدفاع الوطني ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وتعود نشأة المدرسة إلى سنة 1967 تحت اسم المدرسة الوطنية للمهندسين والتقنيين بالجزائر، قبل أن تُعاد هيكلتها سنة 1995 لتصبح المدرسة العسكرية المتعددة التقنيات، وهي تحمل اليوم اسم الشهيد عبد الرحمان طالب، وقد أسهمت في تكوين أزيد من 5000 ضابط مهندس، ما جعلها خزانا للكفاءات العلمية والتقنية في خدمة مختلف القطاعات الوطنية.
وتتمثل مهمة المدرسة، بحسب أحد إطاراتها، في تكوين إطارات عليا في علوم وتقنيات الهندسة، من خلال تكوين متدرج وآخر ما بعد التدرج، إلى جانب نشاط بحثي معتبر يخدم حاجيات القطاعات الوطنية، مع انفتاح على المحيط الأكاديمي والدولي عبر شراكات مع جامعات ومراكز بحث وتنظيم فعاليات علمية.
ويخضع مهندس المدرسة لتكوين متعدد الأبعاد يجمع بين العلوم الهندسية الدقيقة، واللغات، والعلوم الإنسانية والاقتصادية، ويشمل تخصصات كالهندسة الميكانيكية، الكهربائية، الكيميائية، المدنية، الإعلام الآلي، والمعلومات الجيوفضائية والتقنيات الفضائية، مدعما بمشاريع بحث وتطوير وتربصات وزيارات ميدانية.
ويتم الالتحاق بالمدرسة عبر مسار انتقائي يبدأ من المدرسة الوطنية التحضيرية لدراسات مهندس، قبل الانتقال إلى التكوين الهندسي العسكري لثلاث سنوات إضافية، وفق نظام يجمع بين التكوين الأكاديمي والتدريب العسكري المستمر، ويؤكد أستاذ باحث أن المدرسة تُعد صرحا علميا يهدف إلى تكوين إطارات نوعية قادرة على تلبية حاجيات مختلف الهيئات التابعة لوزارة الدفاع الوطني، مع توفير مسارات ما بعد التدرج على غرار الماستر والدكتوراه وفق نظامي “أل أم دي” والكلاسيكي.
أما بخصوص التخصصات، فتفتح المدرسة عدة فروع رئيسية، من بينها الإعلام الآلي الذي يركز على الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، والهندسة الكهربائية بسبعة تخصصات، والهندسة المدنية بثلاثة تخصصات، وفيزياء الأشعة، والهندسة الميكانيكية بخمسة تخصصات، والهندسة الكيميائية بتخصصين، في تنوع يعكس توجهها نحو إعداد مهندسين ضباط قادرين على مواكبة التحولات التكنولوجية وخدمة احتياجات المؤسسة العسكرية بكفاءة عالية.
الدرون والروبوتات وأبحاث في الذكاء الاصطناعي والطب
خلال زيارتنا، قادتنا الجولة إلى عدد من وحدات التعليم والبحث التي تشكل القلب النابض لهذا الصرح، من المناهج الطاقوية إلى المواد والهياكل، مرورا بالتصميم والصناعة الميكانيكية، والهندسة الكهربائية، وصولًا إلى الأنظمة الذكية، داخل هذه الفضاءات، لا يُقدَّم الدرس في شكله التقليدي، بل يتحول إلى تجربة حية، حيث يلتقي الشرح النظري بالتطبيق المباشر.
في القاعات والمخابر، اطلعنا على مشاريع تعكس مستوى متقدما من البحث، من معالجة البيانات وإشارات المرور، إلى قراءة الخوارزميات وتفكيك الشيفرات وتشويش الاتصالات، كما تمتد محاور العمل إلى الأنظمة الصناعية وتقنيات التحكم وتطوير الاستراتيجيات، وصولا إلى التحكم في الأنظمة الطائرة والدرونات.
وفي مجال الروبوتيك، يتم تصميم وإنجاز روبوتات برية بأربع أرجل وأخرى مائية قادرة على الغوص وجمع البيانات، إلى جانب مشاريع توظف الذكاء الاصطناعي في معالجة الصور والتحكم في الروبوتات، كما لفت انتباهنا مشروع بالتعاون مع الصحة العسكرية لتحليل حركة الإنسان وتقييم وضعيته الصحية، وآخر يعتمد على إشارات دماغية للتحكم في أجهزة طبية وصناعية.
وتشمل التطبيقات أيضا محاكيات متطورة، على غرار محاكي الطيران المزود بنظام إعادة تشكيل الحركة، إضافة إلى تجارب فيزيائية وكيميائية وابتكارات لتبريد المياه في ظروف حرارية صعبة، هنا، كل مادة تُدرس بوجهين، نظري وتطبيقي، في بيئة يشرف عليها أساتذة مختصون، مدعومة بمنصات تجريبية تُطوَّر أحيانًا بأيادي الطلبة أنفسهم.
وما يلفت الانتباه داخل هذه الوحدات ليس فقط تنوع المشاريع، بل مستوى التجهيزات المتوفرة، حيث تعتمد المخابر على أحدث الوسائل التقنية التي تواكب التطورات العلمية، وبحسب الشروح التي تلقيناها، يشرف على هذا التكوين أساتذة وباحثون من مستوى عال جدا، بخبرة علمية وميدانية تسمح بنقل المعرفة بشكل دقيق وفعّال.
كما أن التطبيقات المستعملة في التكوين ليست كلها جاهزة، بل يتم إنجاز جزء منها من طرف الطلبة أنفسهم ضمن مشاريعهم، في حين يُقتنى جزء آخر في إطار البرامج السنوية، ما يخلق توازنا بين التعلم النظري والابتكار العملي، ويمنح الطلبة فرصة حقيقية للمساهمة في تطوير أدواتهم بأنفسهم.
مكتبة بـ 37 عنوانا و60 ألف نسخة تحت تصرف الأساتذة والباحثين والطلبة
ونظرا لأهمية الكتاب في حياة الطالب الباحث، كان من الطبيعي خلال هذه الزيارة أن نتوقف عند المكتبة التابعة لمركز التوثيق، باعتبارها أحد الفضاءات العلمية الأساسية داخل المدرسة.
وهنا أوضحت مسؤولة بالمركز أن المكتبة تُعد فضاء مفتوحا أمام الجميع، من أساتذة وباحثين وطلبة، حيث تضم رصيدا ثريا يتجاوز 37 ألف عنوان، وما يقارب 60 ألف نسخة، ما يجعلها مرجعا علميا مهما داخل الصرح.
وأضافت أن نظام الإعارة لم يعد تقليديا، بل أصبح يعتمد على الفضاء الرقمي والبوابة الإلكترونية للمكتبة، التي تم تطويرها عبر برنامج معلوماتي خاص من إنجاز إطارات وطلبة المدرسة، يسمح بالبحث، التصفح، وإجراء عمليات الإعارة عن بعد وفي حال عدم توفر الكتاب بشكل مباشر، يتمكن الطالب من الحصول على رمز يوجهه للوصول إلى المعلومة المطلوبة بسهولة وسرعة.
وفي سياق متصل، تضم المكتبة مختلف أصناف الكتب، من ثقافة عامة وكتب علمية ومجلدات مرجعية، بعدة لغات أبرزها العربية والإنجليزية والفرنسية، إضافة إلى منشورات علمية وأعمال أكاديمية من إنتاج المدرسة نفسها، على غرار مذكرات التخرج لطلبة الماستر والدكتوراه ناهيك عن أبحاث علمية متخصصة.
كما توفر المكتبة قاعة مطالعة تتسع لـ120 طالبا، إلى جانب فضاء ميدياتيكي يسمح بالاطلاع الرقمي على مختلف الموارد، في ظروف مريحة ومجهزة وتفتح هذه الفضاءات أبوابها من السبت إلى الخميس، صباحا ومساء وحتى في الفترة الليلية، ما يتيح للطلبة إمكانية الاستفادة من خدماتها حتى خارج أوقات الدراسة الرسمية.
رياضات قتالية وجماعية ومنافسات معترف بها
وقبل نهاية الزيارة، تعرفنا على الوجه الآخر للمهندسين، أو بالأحرى أين يتدربون كضباط، بدا المشهد داخل القاعة متعددة الرياضات التي تحمل تسمية المقدم المرحوم بكثير ياسر وكأنّه مساحة أخرى من التكوين لا تقل أهمية عن القاعات الدراسية، المكان الذي يتسع لـ200 مقعد، يحتضن يوميا رياضات قتالية وأخرى جماعية، في ظروف تنظيمية وتجهيزية تسمح باحتضان حتى مختلف المنافسات الرياضية داخل المدرسة.
وبمواصلة الجولة، اتضح لنا أن البنية الرياضية للمؤسسة لا تقتصر على هذه القاعة فقط، بل تمتد إلى فضاءات خارجية متكاملة، تشمل ملعبا خارجيا يضم ستة أروقة رياضية معترفا بها من طرف الاتحاد الوطني لألعاب القوى، وملعب كرة قدم معترفا به من طرف الاتحاد الجزائري لكرة القدم “الفاف”، إضافة إلى مسبح بطول 25 مترا وقاعة مخصصة لتقوية العضلات، ما يوفر منظومة تدريب شاملة ومتنوعة.
وفي هذا السياق، تنشط فرق رياضية تمثل المدرسة في مختلف المنافسات العسكرية، سواء على المستوى القطاعي أم الجهوي أم الوطني، في إطار بطولات تنظم بين المدارس العسكرية، حيث يبرمج الموسم الرياضي الحالي على 12 منافسة.
أما اللحظة الأكثر تعبيرا خلال الزيارة، فكانت عند متابعة عرض في الفنون القتالية قدمه أفراد من المدرسة، حيث ظهر الانسجام واضحا بين الدقة والسرعة والتحكم في الحركة، مع قدرة عالية على الانتقال بين الدفاع والهجوم بسلاسة لافتة، العرض تميز بمشاركة الذكور والإناث معا، في صورة تعكس روح الانضباط الجماعي، ومستوى التدريب الذي يجعل من الرياضة جزءا أساسيا من بناء شخصية الضابط.
غادرنا أسوار المدرسة العسكرية، وقد بقي في الذاكرة ذلك الإحساس بثقل المعنى أكثر من المشهد نفسه، صور المخابر والقاعات والميادين الرياضية حاضرة بكل تفاصيلها، كأنها تلخص يوما كاملا من العمل الدقيق والمنظم وخلفنا مؤسسة لا تودع زائرها بسهولة، لأنها تترك فيه سؤالا مفتوحا عن معنى القوة حين تصبح علما قبل أن تكون سلاحا.