-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دفاعا عن السلفية… ونصيحة للسلفيين

صالح عوض
  • 3947
  • 0
دفاعا عن السلفية… ونصيحة للسلفيين

في خضم التنابز بالألقاب وإلقاء الكلام على عواهنه، يتم الإساءة بقصد وغير قصد إلى السلفية كفكرة ومنهاج، الأمر الذي يستوجب التوقف عند هذه الظاهرة التي تبرز من حين لآخر في منطقتنا الإسلامية.. ونتيجة للتطاحن والتعنت يطوح بالسلفية كنقطة ارتكاز لنهوض حضاري طال انتظاره.

لا قيمة للأمة إن فقدت مرجعيتها سيما وهذه المرجعية قد أثبتت الأيام صدقها وقدرتها على التجدد والإجابة على كل المستجدات من القضايا والمشكلات واستحقت بذلك أن تكون مرجعية إنسانية باقتدار وأن يكون النداء باسمها شاملا لكل العنصر الآدمي، فهي مرجعية ضد العنصرية والأنانية والاستحواذ والظلم والجريمة.. إنها مرجعية تشمل في أهدافها الخير لكل بني الإنسان، بل للعالمين.

ولكن هناك فرقا كبيرا بين “السلفية” والسلفيين.. فسلفية الأمة تكون وفقا لما أكد عليه ربنا سبحانه وتعالى بقوله “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم” وقال: “قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” وقال تعالى: “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ – وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا”، وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي”.

من هنا نستطيع القول أن الأمر في غاية الوضوح بأن مرجعية الأمة تكمن في القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا هو إجماع علماء الأمة ومفكريها.. وكل شيء زيادة على ذلك من اجتهاد لا يرتقي إلى أن يكون أحد عناصر ضمانة الأمة من التيه والضلال.. وعلى هذا يحمل كل من شهد لله بالوحدانية وآمن بالرسول على محمل الإسلام ولا يجوز بعد ذلك إخراجه من الملة لقول أو فعل فيه اجتهاد في ظني القرآن والسنة، كما انه لا ينبغي اعتماد أي اجتهاد على اعتبار انه جزء من الدين الذي يخرج مخالفه من الملة.. مهما بلغت قوة الاجتهاد.. فالاجتهاد ليس نصا مقدسا أو معصوما فهو محاولة لاستخراج حكم من نصوص ظنية أو إعمال عقل بما لا يصطدم مع صريح النص؛ ولكنه اجتهاد محكوم بالزمان والمكان، ولا يمتلك اختراقهما، لأنه صادر عن إنسان محدود، بل وجدنا أحد الأئمة الكبار يغير ويعدل في فتواه بانتقاله من مكان إلى مكان.. ولهذا فلا ينبغي أن يمتد في الزمان وتغير الظروف والملابسات، ولقد أشار الأئمة إلى هذا المعنى بوضوح، وكما قال الإمام علي كرم الله وجهه: “لا تلزموا أولادكم على أخلاقكم فلقد خلقوا لأزمان غير أزمانكم”.

فسلفية الأمة تعود إلى عهد النبوة بما فيه من وحي وسنة الرسول وإلى عهد الخلافة الراشدة التي كانت حتى الآن أصح نموذج بشري اقتفى خطوات محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. وهذا إجماع الأمة كلها بكل مذاهبها وإلى هنا تتوقف السلفية كمرجعية، وكما قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي”.. وهذا بعيدا عن الشروح والتفسيرات والتأويلات التي تضيق متسعا وتحد من حركة العقل ونعمة التنوع في الفهم.. وفي السير هنا التزاما بالإسلام لا يعني بأي حال من الأحوال الالتزام بأقوال الرجال مهما بلغ علمهم في زمانهم فهم جزاهم الله خيرا أولوا وفسروا وقدموا أفهامهم للنص، وهذا كله محل ظن وتبدل وتغير لا ينبغي أن يكون قيدا على العقول والأرواح.

بعد ذلك نشأت المدارس والتيارات السياسية والفقهية في مناخات عديدة أهمها وجود السلطان الجائر وسقوط النموذج الراشد وتغييره بنمط الحكم العضوض، وهنا تسربت روح الاختلافات رغبة أو نفورا، وتأول كثيرون تفسيرات تليق بمواقفهم من جهة علم الكلام وعلم التفسير والشروح.. حتى إن تجاوزنا تلك الملابسات السياسية التي أثرت في طريقة تناول السلفية فإننا نجزم أننا نعيش الآن في مرحلة أخرى تماما وقد استجدت معطيات ولم يبق من معطيات الماضي وحيثيات إجاباته شيء.. ومع هذا فنحن لابد لنا من تلمس روح الاجتهاد ومنهجه لدى أولئك الأفذاذ من العلماء، لا أن نلزم أنفسنا باجتهاد قيل في مرحلة معينة بملابسات معينة، فلا يجوز أن نضيق متسعا أراده الله لنا رحمة.

بالتأكيد إن إسمنا الذي ينبغي لنا بلا زيادة او نقصان -والذي ارتضاه الله لنا- هو المسلمون، فقد جاء في القران الكريم: “وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ”، ويحذرنا القرآن في أكثر من موضع من السير على خطى من فرقوا دينهم ومزقوا أمتهم طوائف وأحزاب.. وعلى هذا الفهم الأصيل فإننا نصرح بوضوح: ليست السلفية حزبا ولا طائفة ولا جماعة، إنما هي عملية علمية مستندة إلى مرجعية الأمة تؤول إلى الفهم الأقرب في الزمان والمكان للنص في العقيدة والفقه.

ولم يحل للبعض أن تكون أمة الإسلام واحدة تتحرك في العالمين يهديها للشعوب والأمم أن تتحرر من عبودية العباد والأشياء إلى عبودية الواحد الأحد.. لم يحل  للبعض أن تتفرغ الأمة بطاقاتها وقوتها للقيام بواجباتها في التصدي لعدوها العنصري الظالم.. لم يحل للبعض أن يتعاون المسلمون ويتساندوا في النهوض بما عليهم نصرة لبعضهم البعض فاتجه هؤلاء إلى إثارة الفتن داخل الأمة الواحدة بالاتكاء على قول لهذا العالم أو ذاك، ولهذا النص الظني أو ذاك، فأنشأوا الجماعات والأحزاب ونفخوا في روح العصبية بكل أشكالها يكفرون ويفسقون ويشتمون ويسبون ويطعنون في النوايا والأعراض، كل من يختلف معهم وكل من لا يرى رأيهم في جعل الدين مجرد أقوال لهذا العالم أو ذاك.. ولقد حذر العلماء راسخو القدم من أمثال هذه الدعوات، وكما قال ابن عثيمين وهو من رجال العلم الذين يعتبرون أحد علماء السلفية رحم الله: “يجب التفريق بين السلفية وحزب السلفيين”. “إن الإخوة السلفيين مشكلتهم كغيرهم، أن بعض هذه الفرق يُضلل بعضاً، ويُبدّعهم، ويُفسّقهم.. الواجب أن يجتمع رؤساء هذه الفرق، ويقولون بيننا كتاب الله -عز وجل- وسنة رسوله، فلنتحاكم إليهما لا إلى الأهواء، والآراء، ولا إلى فلان أوفلان.. كلٌّ يخطئ ويصيب مهما بلغ من العلم والعبادة، ولكن العصمة في دين الإسلام”.

إن هؤلاء الذين يدعون إلى السلفية جماهير الناس محدودي العلم والمعرفة إنما هم يريدون إنشاء أمة منشقة عن أمة محمد.. الأصح أن تكون دعوة هؤلاء إلى الإسلام بقواعده الكلية بمنظومته الأخلاقية ومفاهيمه القرآنية بعيدا عما يفرق صف الأمة.. هؤلاء لم يجعلوا الموضوع قيد العلم ولخاصة علماء الأمة يتناقشون في ما ينفع الناس، يجتهدون ويستخلصون الأحكام بعيدا عن العصبية الضارة والفتن الماحقة.. هؤلاء غرهم جهل العامة وشبهات من هذا الفريق أو ذاك فشقوا صف الأمة بحجج واهية التقطها المستعمرون وحكام الجور فأوغلوا بنشر الأكاذيب والبحث في بطون الكتب بما يعزز آراءهم في هؤلاء أو أولئك.. وكأن الكتب مقدسة أصحابها معصومون.

إن سلاح التفسيق والتكفير الذي يستخدمه هؤلاء حكم بالموت على كل من لا يرى رأيهم وهو ما لا ينبغي أن يمارس داخل الأمة الواحدة.. وهنا لن يمتد الحديث عن الأفهام السقيمة في تناول السنن والبدع في كلام يعبر عن عدم فهم للغة العربية أو مقاصد الشريعة أو تدرج الدعوة المنهجي؛ وكأن جماعتنا يخبطون خبط عشواء بلا حكمة ولا علم ولا صبر..

إننا نريدها سلفية ابن باديس والأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا والثعالبي وحسن البنا.. سلفية تحررنا من البدع، وتوحد الأمة على الحق والتعاون والتناصر.. هذه السلفية التي تجعل من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم منهاجها لإقامة دين الله ونفع الناس والرحمة بهم.. تولانا الله برحمته. 

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!